منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٩٥
على نفسي من التلف.
فقال له أبو يوسف: الاَمر أسهل من ذلك يا أمير المؤمنين، أَعتِقْها وتزوَّج بها الساعة. وبهذه الحيلة انتزع الرشيد الجارية من مولاها وتزوّجها في تلك الليلة[١] .
فها نحن نرى المسألة المدبَّرة، والاَُحْجية المهيّأة لامتحان طاعة أبي يوسف للسلطان ومدى انقياده إليه، ومدى استعداده لتبديل الاَحكام وتغيير الآراء في سبيل إرضاء الرشيد، والرشيدُ وإن كان لا يتقيّد ولا يحتاج إلى مثل هذه التمحّلات الفقهيّة الغريبة، وهو أعلم ببطلانها، لكنّه أراد أن يتّخذ الفقهاء غطاءً شرعيّاً يمرّر من خلاله ما يريد.
وروى المسعوديّ: أنَّ زبيدة زوج الرشيد كتبت إلى أبي يوسف: ما تقول في هذا الاَمر؟ وأحبُّ الاَشياء إليَّ أن يكون كذا، فأفتاها بما وافق رغبتها، فأرسلت إليه بهديّة تحتوي على الذهب والفضّة والغلاّت والدوابّ والثياب وغير ذلك من النفائس، فقال له بعض من حضر مجلسه: قال رسول الله "من أُهديت إليه هديّة فجلساؤه شركاؤه".
فقال أبو يوسف: ذاك إذا كانت هدايا الناس التمر واللبن[٢] .
فلاحظ التصرّف في صرف المعاني عمّا يراد بها في الاَحاديث النبويّة المباركة الواضحة الدلالة، بل أوضحها دلالةً كما في هذه الفقرة الاَخيرة من كلام أبي يوسف.
وهذه بعض الاَمثلة جئنا بها للاستشهاد لا الاستقصاء، وإلاّ فإنّ أمثالها الكثير الكثير، حتّى أنّ جمّاً غفيراً من كتّاب ومفكّري المسلمين قدماء وجدد تنبّهوا إلى أنّ اندثار بعض المذاهب ـ كمذهب ربيعة الرأي والاَوزاعيّ وسفيان الثوريّ ـ كان مردّه وسببه الرئيسيّ هو إعراض الحكومات عنها لسبب أو لآخر، في حين لاقت بعض المذاهب الاِسلاميّة كالمذاهب الاَربعة رواجاً كبيراً بسبب إقبال وتشجيع السلطان لها، واحتضانه لاَربابها أو لتلامذتهم.
[١] انظر تاريخ الفقه الاِسلاميّ للدكتور محمّد يوسف : ١٦٨ .
[٢] انظر تاريخ الفقه الاِسلاميّ للدكتور محمّد يوسف : ١٦٨ .
===============