منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٩٢
الدنيا بحيث يبعده عن الجهاد في سبيل الله والعبادة الخالصة من حبّ الدنيا.
هذا وقد اعترض سفيان الثوريّ على المنصور العبّاسيّ في إسرافه وتبذيره، فقال له المنصور: فإنّما تريد أن أكون مثلك؟!
فقال الثوريّ: لا تكن مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه. فقال له المنصور: اخرج[١] .
والذي يراجع التاريخ يقف على ما كان يفعله معاوية، ويزيد، ومروان، وعبدالملك، والوليد، وهشام بن عبد الملك، والمنصور، والمهدي، والرشيد وغيرهم من الشراهة والاِسراف والتبذير في المطاعم ومجالس اللهو، وعدمالمبالاة بتحريف الكتاب، والوضع على السنّة، وهؤلاء هم الذين دعوا إلى تدوين السنّة النبويّة وتصدّوا لمَذْهَبَة المسلمين بالمذاهب الاَربعة، وهم الذين قد احتضنوا الرأي ودعوا إلى المصلحة والاجتهاد، وبالتالي فإنَّ نسبة احتمال التحريف والانحراف في ناس هذا شأنهم يكون كبيراً جدّاً إذا ما قيس إلى مدرسة فقيرة قانعة بدين الله ـ أتباع مدرسة أبي تراب ـ فإنّها لاتحتاج إلى تبديل وتغيير الاَحكام ثمّ اختلاق التأويلات لها.
٣ ـ أنّ التزلّف والتقرّب إلى السلاطين كان وما زال الداء العضال في الجبلّة البشريّة، فإنّ الحكومات المترفة كانت تحكّم الرشاوي والمحسوبيات في تقريب هذا وإبعاد ذاك، وهذا كلّه له الاَثر الكبير في استقطاب ضعاف النفوس الذين يريدون إرضاء المخلوق ولو كان بسخط الخالق وقد ورد هذا في معنى الحديث الشريف (الشقي من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره).
وقد برزت هذه الظاهرة بشكل خطير في عهد الخليفة الثالث عثمانبن عفّان ـ بعد أن كانت محدودة شيئاً ما في عهد أبي بكر وعمر ـ لاَنّه قد مهّد الاَمر لاَن تكون الخلافه الاِسلاميّة كسرويّة وقيصريّة، وذلك بتوليته أقاربه المناصب والولايات وإقطاعه القطائع وإعطائهم الاَموال، حتّى نُقل أنَّ بعض المسلمين
____________
[١] تاريخ بغداد ٩: ١٥٢ ـ ١٥٣، ومقدّمة تفسير سفيان الثوريّ.
===============