منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٨٢
والتعميم الذي جاء في غير محلّه، هو الذي أوقع أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد في هذا الغلط والاختلاف في مقدار دية الاَسنان.
وأمّا استدلالهم بما روي عن ابن عبّاس من أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: الاَصابع سواء، والاَسنان سواء، الثنية والضرس سواء. هذه وهذه سواء"[١]فهو على تقدير صحّة نقله ليس بمدوّن، وهو معارض بما مرّ نقله من اختلاف النقول عن الصحابة والتابعين والفقهاء.
هذا، ونرى الاِمام أحمد بن حنبل ـ الذي هو محدِّث وراوٍ أكثر من كونه فقيهاً بإجماع المسلمين ـ يذهب إلى رأي يخالف فيه كلّ فقهاء العامّة ومنقولاتهم، ويوافق فيه ما ورد عن أهل البيت وأتباع مدرسة التعبّد المحض.
فقد ذهب الاِمام أحمد إلى أنّ الدية في المقاديم ستمائة دينار (٦٠٠٠ درهماً) وفي المواخرِ أربعمائة دينار (٤٠٠٠ درهماً)، وهما تمام الدية، وقد صرَّح بذلك عنه النوويّ في المجموع[٢]، وهو ظاهر المغني[٣].
بعد هذه النماذج اليسيرة التي أخذناها، اتّضح لنا أهمّيّة التدوين وقيمة مدوّنة وكتاب عليّ عليه السلام ، وأنّ الآخذين بالتدوين من أتباع مدرسة التعبّد المحض هم أقرب للصواب وأصحّ منقولاتٍ عن رسول الله، بعكس أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد المانعين للتدوين، فإنّهم ابتعدوا عن التدوين والمدوّنات فوقعوا في الاختلاف والحيرة وتعدّد الآراء، وإن وصلهم شيء من الاَحكام عن طريق بعض المدوّنات، فإنَّما هو نقل ناقص تدخّلت فيه الآراء والاجتهادات. فأبعدته هو الآخر عن جادّة الصواب وبالتالي أصبح الفقه الاِسلاميّ عند مدرسة الرأي والاجتهاد فقهاً يبتني على الآراء، والرأي بطبيعته مختلف، ولذا ترى تعدّديّة الرأي، بعكس الفقه عند التعبّد المحض والمدوّنين للسنّة على عهد رسول الله والمحافظين عليه من بعده، فإنَّه ظلّ أبعد ما يكون عن الخطأ والتغيّر والنقصان، مع وضوح في وجوه التفصيل وترابط في
____________
[١] المغني ٩ : ٦١٤ .
[٢] المجموع ١٩: ٩٩.
[٣] المغني ٩: ٦١٣.
===============