منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٨
وتضعف معارفهم"[١].
وقد عدّد أصحاب الجرح والتعديل في كتبهم أسماء مَن كان يخلط من الصحابة والرواة في كتبهم.
إنّ هذه الاَُمور تؤكّد أنّ المسألة لم تكن كما يصوّرها البعض، بل هناك شيء آخر ينبغي الاِشارة إليه، إذ إنّ السنّة النبويّة لم تكن حكراً على العرب، ليقال في التعليل: إنّهم أصحاب حافظة قويّة، حتّى يرد تعليل الشيخ عبدالغنيّ، والاَُستاذ أبي زهو، بل إنّ هناك من الفرس والاَتراك وغيرهما من كان يريد تدوين السنّة، فما الجواب في مثل هذه الحالة؟
ولو كان الحفظ واجباً في شيء، ألا تراه في القرآن أوجب؟
ولو كانت سعة الحفظ وقوّة الذاكرة مانعة من كتابه شيء، فلماذا لم تمنع من كتابة القرآن؟ مع وجود عدد كبير من حفّاظ الصحابة؟
وحديث ابن أبي مليكة، وإن كان من المراسيل، إلاّ أنّه قد جاء في كلام الاَعلام الذين تعرّضوا لمنع تدوين السنّة الشريفة.
وفيه دلالة على أنّ اعتماد التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصبح وسيلة مضادّة للخلفاء، وأنّ المسلمين سرعان ما أثّر فيهم فقد نبيّهم، فأحسّوا بضرورة حفظ سنّته، ومعرفة أحكام الدين التي بلّغها، فلذلك كانوا يُحَدِّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نشراً لاَحكامه، وحفظاً لها من الضياع والدثور.
وأنّ الصحابة باعتبارهم الجيل الاَوّل، كانوا ملزمين ببيان الاَحكام للناس، ورواية كلّ ما سمعوه من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للجيل الجديد المسمّى بجيل التابعين، إذ إنّهم بأمسِّ الحاجة لمعرفة أحكام الدين من خلال أقوال النبيّ وأفعاله، ولايتسنّى ذلك إلاّ بالاَخذ من الصحابة العدول، الذين هم بمنزلة المحفوظات الحيّة عن رسول الله بعد كتاب الله المبين.
وقد كان أبو بكر على علم بهذه الحاجة الدينيّة الماسّة من قِبَل التابعين، وبوجوب الاِجابة من قبل الصحابة، وكان على علم أيضاً بمدى ضرورتها، وقد عبّر عنها في قوله: "فمَن سألكم فقولوا...".
____________
[١] مقدّمة تقييد العلم: ٨.
===============