منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٧٧
وعنه أنّه قال: إنّا نشرب هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم الاِبل في بطوننا أن تؤذينا، فمن رابه من شرابه شيء فليمزجه بالماء،[١]وقال أيضاً: إنّي رجل معجار البطن ـ أو معسار البطن ـ وأشربُ هذا النبيذ الشديد فيسهِّل بطني.
ويظهر مدّعانا واضحاً بجلاء فيما جاء عن أبي حنيفة ـ في بعض النصوص ـ وأنّه قد احتجّ على دعواه في حلِّيَّة قليل ما أسكر كثيره بسيرة الخليفة عمربن الخطّاب فيه.
فقد ورد عن عبد الله بن عمر أنّه اعترض على أبي حنيفة في النبيذ، فقال أبو حنيفة: أخذناه من قبل أبيك، قال: وأبي من هو؟ قال: إذا رابكم فاكسروه بالماء.
فقال عبد الله العمريّ: إذ تيقنت به ولم ترتب كيف تصنع؟ قال: فسكت أبو حنيفة[٢].
فتراهم يتمسّكون بأبعد الدلالات لكي يصلوا إلى نتيجة ما في هذا الفرع الفقهيّ، فلذلك وقعوا في اختلافات شديدة ووصلوا إلى نتائج متضاربة بعد أن تركوا النصوص الصحيحة الصريحة الواردة في كتاب عليّ والواردة عن أهل بيته.
وكأنّي أرى الحكّام ـ أُمويّين وعبّاسيّين ـ سعوا في التأكيد على هذا الحكم مشترطين فيه الاِسكار الفعليّ لكي يصرفوا الناس عن انتقادهم، ولكي يتسنّى لهم أن يشربوا المسكرات والنبيذ كما يحلو لهم دون أيّ رادع ولاوازع مستغلِّين جواز شرب النبيذ الشرعيّ، بمعنى إلقاء بعض التمرات في الماء الآجن لتذهب ملوحته، فاستغلّوا هذا الترخيص الشرعيّ من قبل الرسول وسرَّوا الحكم إلى ما نشّ من النبيذ، ثمّ اشترطوا في الحرمة الاِسكار الفعليّ.
قالوا بهذا وهم يعلمون أنّ رسول الله قال: لتستحلنّ طائفة من أُمّتي الخمر باسم يسمّونها إيّاه. رواه أحمد وابن ماجة[٣].
____________
[١] السنن الكبرى ٨: ٢٩٩.
[٢] سنن البيهقيّ ٨: ٣٠٦.
[٣] الفقه على المذاهب الاَربعة ٥: ٢١.
===============