منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٧٦
ثمّ ذهب إلى ما تقوله مدرسة التعبّد المحض، لقوله: (... فهذه الآثار المتظاهرة والصحاح المتواترة عن أُمّ المؤمنين وأبي موسى وابن عمر وسعد بن أبي وقّاص وجابربن عبد الله والنعمان بن بشير كلّهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله بما لايحتمل التأويل ولايقدر معها على حيلة، بل النصّ على تحريم الشراب نفسه إذا أسكر، وتحريم العسل وشراب الشعير وشراب القمح إذا أسكر، وشراب الذرة إذا أسكر، وتحريم القليل من كلّ ما أسكر كثيره، بخلاف ما يقول من خذَله الله تعالى وحرمهُ التوفيق...) إلى أن يقول:
(وجلح[١]بعضهم بعدم الحياء في بعض هذه الآثار، وهو قوله صلى الله عليه وآله : كلّ مسكر حرام... فقال: إنّما عني الكأس الاَخير منها)[٢].
ويعني ابن حزم بقوله (بخلاف ما يقول من خذله الله تعالى وحرمة التوفيق) أبا حنيفة وأتباعه لاَنّهم جوّزوا درديّ الخمر[٣]على كراهة وقالوا: لايحدّ من شربه إلاّ أن يسكر، فإن سَكَر حُدَّ، على ما نقله هو عنهم في المحلّى[٤].
ونحن نعلم من النصّ السابق (إنّما عني الكأس الاَخير منها) جواز شرب قليل المشروبات أو النبيذ لاَنّه لا يسكر فعلاً، دون الكأس الاَخير الذي يتحقّق به الاِسكار، فيجلد لذلك لا للكؤوس الاَُولى منه.
والذي يظهر للمتتبِّع في مفردات تاريخ التشريع الاِسلاميّ أنّ حجّة من ذهب إلى هذا القول هو فعل الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب وقوله فيه برأيه.
فقد ورد عنه: أنّ أعرابيّاً شرب من شرابه، فجلده الحدّ، فقال الاَعرابيّ، إنّما شربت من شرابك، فدعا عمر بشرابه فكسره بالماء ثمّ شربه، ثمّ قال: من رابه من شرابه شيء فليكسره بالماء[٥].
____________
[١] جلح هو بمعنى كابر.
[٢] المحلّى ٧: ٥٠٠.
[٣] درديّ الخمر : هو المتبقي منه ، وهو في نفسه خميرة لصنع خمر آخر .
[٤] المحلّى ٧: ٤٩٢.
[٥] انظرها والتي تليها في كنز العمّال ٥: ٥١٤.
===============