منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٧
علىالذاكرة؟! وماذا نفعل بقوّة الحافظة لو مات الصحابيّ الحافظ؟!! ألم تكن الملائكة أكمل من بني الاِنسان وأقدر منه على الحفظ، فلِمَ يكلفهم الله عزّ وجلّ بالكتابة مع ذلك ويقول: (كِراماً كاتِبين)[١]؟!.
قد يقال: إنّ الحافظة ملكة يمكن أن تُدرَّب وتُشحَذ لتكون قويّة حادّة، كما هو شأن حاسّة السمع عند الاَعمى التي تكون أقوى بكثير ممّا عند البصير، لاَنّه غالباً ما يستعين بها بدل البصر المفقود، وكذا التاجر الاَُمّيّ؛ فإنّ حافظته لكثرة اعتماده عليها وكثرة مزاولة استخدامها أقوى من حافظة التاجر المتعلّم لاَنّ الاَوّل يعتمد على الحافظة بخلاف الثاني.
لكن لو صحّ أنّ شأن الصحابة مع الحفظ كان على هذه الشاكلة، وأنّ العرب كانوا ذوي حافظة قويّة، وخصوصاً الصحابة الذين قيّضهم الله لحفظ الشرع وصيانته، وحمله وتبليغه لمن بعدهم.. فكيف يمكن تأويل ما أخرجه الخطيب في رواية مالك، والبيهقيّ في شعب الاِيمان، والقرطبيّ في تفسيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: "تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا ختمها نحر جزوراً"[٢]؟!
وماذا يمكننا أن نقول في ذلك؟ هل يجب أن نُخَطِّىََ الشيخ عبد الغني والاَُستاذ أبا زهو ومن ذهب إلى هذا الرأي، أم نخطّىَ ابن الجوزيّ والذهبيّ والقرطبيّ لروايتهم هذا الخبر عن عمر؟
لابُدّ إذَنْ أن يكون في الاَمر شيء آخر غير الحافظة والاعتزاز بها. وهو ما سيتّضح للقارى ـ لاحقاًـ إن شاء الله تعالى.
قال الاَُستاذ يوسف العشّ في مقدّمة كتاب تقييد العلم، "فذاكرة أكثر الناس أضعف من أن تتناول مادّة العلم بأجمعه، فتحفظها من الضياع، وتقيها من الشرود، ومهما قويت عند أُناس فلابدّ أن تهون عند آخرين، فتخونهم
____________
[١] الانفطار: ١١.
[٢] شرح النهج ١٢: ٦٦، الدرّ المنثور ١: ٢١، سيرة عمر لابن الجوزيّ: ١٦٥، تفسير القرطبيّ ١: ٤٠ وفيه في بضع عشرة سنة، تاريخ الاِسلام للذهبيّ (عهد الخلفاء الراشدين: ٢٦٧).
===============