منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٢
فعن محمّد بن الحسن بن أبي خالد، قال: قلت لاَبي جعفر الثاني: جعلت فداك؛ إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله، وكانت التقيّة شديدة فكتموا كتبهم فلم تُروَ عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا؟
فقال (عليه السلام): حدّثوا بها فإنّها حقّ[١].
فهنا يتجلّى الاضطهاد الفكريّ وبالاَخص اضطهاد التدوين من قبل خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس، إلى درجة يصل الاَمر معها إلى أنّ واحداً من المقرّبين من الاِمام الجواد يشكّ، أو يريد أن يتيقّن من صحّة تلك المرويّات التي لميعهدها من قبل نتيجة للاضطهاد الفكريّ والعقائديّ.
وهنا يتجلّى دور الاِمام في كونه ميزاناً لمعرفة الصحيح من غيره والحقّ من الباطل من المدوّنات والمرويّات، ويغلب على الظنّ أنّ الاِمام كان قد رآها مطابقة لما في كتاب عليّ وكتب آبائه فلذلك قال للسائل "حدّثوا بها فإنّها حقّ" فالسائل واحد، والاِمام يجيب بلفظ الجمع "حدّثوا" ممّا يفيد أنّ البليّة كانت عامّة لجميع أصحابه وأنّ الكثير من المرويّات والمدوّنات ما زالت دون توثيق عندهم نتيجة للكبت والقهر والاِرهاب.
فالاِمام كان يعرف مدوّنات آبائه ـ رسماً ومحتوىً ـ فيبكي ويضع الخطّ على عينيه ويقسم إنّه خطّ أبيه دَفعاً لاحتمال كونه كتاباً آخر زُوِّر على الاِمام الرضا (عليه السلام).
قال إبراهيم بن أبي محمود: دخلت على أبي جعفر ومعي كتب إليه من أبيه، فجعل يقرأها ويضع كتاباً كبيراً على عينيه ويقول: خطّ أبي واللهِ، ويبكي حتّى سالت دموعه[٢].
ثمّ إنّ الاِمام كان يؤكّد على أهمّيّة التدوين، وإنّه أوقع في النفوس من مجرّد النقل، بل أوثق في نفس المنقول له، خصوصاً وأنّ في القارئين للمدوّنات مَن يعرف خطّ الاِمام (عليه السلام).
____________
[١] الكافي ١ : ٥٣ ح ١٥ .
[٢] رجال الكشّيّ: ٤٧٥.
===============