منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٣
ووقع في نفس هذا الخطأ الدكتور عبد الغنيّ، حين قال ردّاً على كلام ابن قتيبة: إنّ العمدة في ثبوت النهي حديث أبي سعيد الخدريّ. والمتبادر منه: أنّه أجاز كتابة القرآن لمن نهاه عن كتابة السنّة. ولو كانت علّة النهي خوف الخطأ في الكتابة، فكيف يُجيز لهم كتابة القرآن[١]؟
وقال السيّد هاشم معروف: ومن مجموع ذلك تبين أنّ الكتابة لمتكن بتلك الندرة بين المكيّين كما يدّعي البلاذريّ في فتوح البلدان، حيث قال: لقد ظهر الاِسلام وبين القرشيّين سبعة عشر رجلاً يحسنون الكتابة لا غير، وفي الاَوس والخزرج سكّان المدينة أحد عشر رجلاً تعلّموها من جيرانهم، وإذا صحّ أنّ الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يتجاوزون هذا العدد الضئيل فلابُدّ وأن تكون في غيرهم معدومة أو أقلّ من ذلك...[٢] وقد مرَّ عليك كلام أحمد أمين في فجر الاِسلام في ذلك[٣].
قال الدكتور صبحي الصالح في علوم الحديث ومصطلحه: (فإذا رأينا أنّ تعويل الصحابة في حفظ الحديث إنّما كان على الاستظهار في الصدور لاعلى الكتابة في السطور، صار لزاماً علينا أن نلتمس لتعليل ذلك غير الاَسباب التقليديّة التي يشير إليها الباحثون عادة كلّما عَرَضوا لهذا الموضوع، فما نستطيع أن نتابعهم فيما يزعمون من أن قلّة التدوين على عهد رسول الله تعود بالدرجة الاَُولى إلى ندرة وسائل الكتابة، لاَنّها لم تك قليلة إلى هذا الحدّ الذي يُبالَغ فيه، وهي على كلّ حال قلّة نسبيّة قد تكون أحد العوامل في إهمال تدوين الحديث، ولكنّها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الاَدوات صحابة الرسول من تجشّم المشاقّ وركوب الصعاب في كتابة القرآن كلّه في اللخاف والعُسب والاَكتاف والاَقتاب وقطع الاَديم.
ولو أنّ بواعثهم النفسيّة على تدوين الحديث كانت تضارع بواعثهم على كتابة القرآن حماسةً وقوّة لاصطنعوا الوسائل لذلك ولم يتركوا سبيلاً إلاّ
____________
[١] حجّيّة السنّة: ٤٣٠ و٤٤٤.
[٢] دراسات في الكافي والصحيح: ١٤.
[٣] انظر فجر الاِسلام: ١٣ ـ ١٤.
===============