منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٩٨
رسول الله أن تقول لجاريتها فضّة حين افتقدت الصحيفة (ويحك! اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً).
هذا الاهتمام لم يكن اعتباطيّاً نابعاً عن رغبة شخصيّة، لاَنّ معادلة الصحيفة بريحانتي رسول الله أمر يستحقّ التوقّف الطويل، إذ يبدو أنّ العلم المكنون في هذه الصحيفة يعادل ما عند الاِمامين الحسن والحسين من علم عن رسول الله، وأنّ ما ترفد به هذه الصحيفة المسلمين يعادل ما يرفد به الاِمامان أُمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
هذه الرعاية المتزايدة للمدوّنات بصورة عامّة، وكتاب عليّ خاصّة، لانجد لها أثراً عند المدرسة المقابلة ـ مدرسة الرأي والاجتهاد ـ فأُثِرَ عن أبي بكر حرقه لمدوّنته، وعن عمر حرقه لمدوّنات الآخرين، وعن عثمان حرقه للمصاحف، وعن معاوية أمره بالاِقلال من الحديث إلاّ حديث روي على عهد عمربن الخطّاب، وهكذا باقي الخلفاء، بخلاف أهل البيت الذين واصلوا التدوين وحفظوا المدوّنات منذ بداية التشريع الاِسلاميّ ونزول الوحي إلى وقت متأخّر.
فقد ورد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمَرَ عليّاً بالتدوين وقال له: اكتب ما أُملي عليك، فقال عليّ: يا رسول الله ! أتخاف عَلَيَّ النسيان؟ قال: لا، ولكن دوّن لشركائك، قال: ومن شركائي يا رسول الله؟ قال: الاَئمّة الذين يأتون من بعدك[١].
وهذا يجعلنا نتيقّن بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يحفظ شريعته بواسطة التدوين عند أهل بيته وغيرهم لتبقى المدوّنات ذخراً وتراثاً علميّاً لاَجيال المسلمين في العصور المتأخّرة.
فاستعانة أئمّة أهل البيت بكتاب عليّ ونظرهم فيه وإشهادهم الآخرين عليه جاء لتوثيق ما يقولونه وينقلونه عن رسول الله وأنّه لم يأتِ جزافاً عن رأي بل له أصل عن الرسول.
____________
[١] انظر بصائر الدرجات : ١٦٧ .
===============