منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٩
وكيف يخفى على الصحابة ما جاء على نحو الاِعجاز من القول وبين ما لميكن في مقام الاِعجاز، حتّى يلزمنا القول بأنّ الصحابيّ لا يميّز بينهما؟!
نعم، قد يقال إنّ كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس مثل كلام سائر الناس، بل إنّه كلام سيّد البلغاء وأفصح العرب، وإنّه ليضاهي القرآن فصاحة وعمقاً ولذلك لايتيسّر لجميع الناس التمييز بينه وبين القرآن، ومن أجله يُخشى من حصول الخلط بينه وبين القرآن!
والواقع أنّ هذه المقارنة فيها كثير من التجوّز، وذلك لاَنّ السنّة النبويّة هي "قول وفعل وتقرير". ولو جرينا مع أصحاب هذا القول لما صحّ أن ينطبق إلاّ على السنّة القوليّة أو بعض السنّة القوليّة، لاَنّ بين تلك الاَقوال الصادرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يجري مجرى الكلام المألوف من كلام الآدميّين مضافاً إلى أنّ الكثير من المرويّات عن الرسول كانت تنقل بالمعنى لا باللفظ.
ثالثاً: لو سلّمنا بالقول السابق، فإنّه لا يستلزم القول بلزوم ترك الحديث صيانة للقرآن؛ لاَنّ الحديث مفسِّر القرآن، وأنّ كتابته وتدوينه وكثرة مُدارسته ممّا يخدم المسلم في فهمه للقرآن، ولا تعارض بينه وبين القرآن.
بلى، إنّ التثبّت في النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما يجب أن يُصار إليه ويؤكّد عليه، وهو ما أكّده (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: من كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار. والمتأمّل في هذه الجملة يراها تقرِّر إمكان مجاراة السنّة النبويّة والكذب عليها، بعكس القرآن الذي لا يمكن لاَحد أن يضاهيه.
بعد هذا نتساءل: كيف ينسب إلى الخليفة عمر بن الخطّاب جهله بهذه الحقائق الواضحة، حتّى يدّعي ما لازِمُه عدم الفرق بين بلاغة القرآن المعجزة وبين بلاغة النصّ النبويّ الشريف؟!
ومن هذا كلّه نخلص إلى أنّ المبرَّرَينِ المطروحَينِ من قبل الخليفة عمربن الخطّاب لمنع حديث رسول الله لا يكفيان في التعليل، فلنبحث عن مبرّر آخر قد نجد فيه الجواب المقنع.
===============