منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٨٣
وقد مرّ عليك رسالة معاوية لمحمّد بن أبي بكر: (...فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه وخالَفه، وعلى ذلك اتّفقا واتّسقا...).
إنّ ما أُريد التأكيد عليه هو أنّ الفقه قد مُنِيَ ـ بمحنة انفعاله ـ بالدوافع السياسيّة، وأنّ الاَحكام الدينيّة صارت لا تُعرَفُ، لخلفيّات خاصّة أملتها السلطات ـ والخلفاء أصحاب الرأي ـ.
وننقل هنا نصّاً عن "الاعتصام" رواه عن ابن العربيّ ـ وهويكشف عمّا ذكرناه ـ قال ابن العربيّ: كان شيخنا أبو بكر الفهريّ يرفع يدَيه عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهو مذهب مالك والشافعيّ، وتفعله الشيعة، فحضر عندي يوماً في مَحْرَس أبي الشَّعْراء بالشَّعْر موضع تدريسي، عند صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدّم إلى الصفّ الاَوّل، وأنا في مؤخّره قاعداً على طاقات البحر، أتنسّم الريح من شدّة الحرّ، ومعي في صفّ واحدٍ (أبو تمنة) رئيس البحر وقائده، في نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلّع على المراكب.
فلمّا رفع الشيخ الفهريّ يدَيه في الركوع وفي رفع الرأس منه، قال أبو تمنة وأصحابه: ألا ترى إلى هذا المشرقيّ كيف دخل مسجدنا؟! قوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر فلا يراكم أحد!!
فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: سبحان الله! هذا الطرطوشيّ فقيه، فقالوا لي: ولِمَ يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه.
وجعلت أُسكّتهم وأُسكّنهم، حتّى فرغ من صلاته، وقمت له إلى المسكن من المحرس، ورأى تغيّر وجهي فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك، وقال: من أين لي أن أُقتل على سُنَّةٍ؟!
فقلت: ويحلّ لك هذا؟ فإنّك بين قوم إن أقمتَ بها قاموا عليك، وربّما ذهب دمُك.
===============