منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٧٥
٨ ـ محاولة حصر الاجتهاد
ثمّ إنَّ الاجتهاد ـ بوسعته هذه ـ أخذ مأخذه عند الصحابة، فتضاربت الآراء واختلفت، وصار من الصعب ترجيح رأي على آخر، وهذا هو الذي دعا الخليفة أن يصعد المنبر ويحذّر الصحابة من اختلافهم، وهو أيضاً جعله أن يقول لمن جمعهم عنده: (نحن أعلم منكم، نأخذ عنكم ونردّ عليكم) وغيرها.
إنَّ التأكيد على سيرة الشيخين في الشورى، وسماح عثمان ومعاوية في الاكتفاء بالاَحاديث التي عُمِل بها في عهد عمر لا غير، وقرار الخليفة عمربن عبدالعزيز حصره التدوين (بسنّة صاحبيه، أمّا غيرهما فنرجئهما) وغيرها من النصوص آنفة الذكر.
تدلّ هذه المراحل على أنَّ أرائهما أصبحت سنّة يُعمَل بها، وأنَّ اجتهادهما صار أصلاً ثالثاً في التشريع الاِسلاميّ لم يكن يدّعياها ـ الشيخان ـ من قبل.
وبهذا يتبيّن أنّ ما ذهب إليه إسماعيل أدهم وتوفيق صدقي ورشيد رضا[١] ومنكرو السنّة في الباكستان القائلين بلزوم الاكتفاء بالقرآن، إنّما كان كلامهم نتيجة حتميّة لمنع الشيخين من تدوين حديث رسول الله.
واستبان لك كذلك عدم صحّة ما علّل به الشيخان في المنع، وما علّله به الآخرون من الكتّاب، شيعةً وسنّة، مستشرقين ومسلمين، ذلك لاَنّ المنع جاء لظروف خاصّة طرأت على الخلافة الاِسلاميّة ولقناعات سابقة ودوافع شخصيّة عند الخليفة عمر بن الخطّاب.
الثاني : ارتسام نهجين في الشريعة يخالف كلّ منهما الآخر في الاَُصول والمباني.
فالبعض: يذهب إلى مشروعيّة الاَخذ بالرأي والظنّ، المقابل للدليل القطعيّ، ويقول بحجّيّة اجتهادات عمر بن الخطّاب في سهم المؤلّفة قلوبهم،
____________
[١] انظر دراسات في الحديث النبويّ للدكتور الاَعظميّ: ٣٢.
===============