منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٦٦
أن كان قد سمح لهم بالتدوين أوّلاً، لقوله: (ومَن كتب فَلْيَمْحُه)[١]. وهذا ينقض ما قاله الدكتور صبحي الصالح وغيره من أنّ رسول الله نهى عن التدوين في أوَّل الدعوة؛ خوفاً من اختلاط الحديث بالقرآن، لكن لمّا دُوّن القرآن سمح بتدوين حديثه[٢]
ومرّةً أُخرى.. فإنّ قرار المنع كان قراراً حكوميّاً لم يكتسب شرعيّته من السنّة، لِما مرّ عليك من النصوص عن رسول الله، وأنّه جعل فداء أسرى بدر تعليم عشرة من المسلمين الكتابة، وتأكيده(صلى الله عليه وآله وسلم) على نشر أحاديثه، فكلام الدكتور صبحي الصالح وغيره يقرِّرُ أنّ التدوين جاء بعد المنع، لكنّ الخبر السابق يؤكّد عكسه بجلاء!
وهكذا توصّلنا إلى أنّ المنع كان له بُعدان، الاَوّل: سياسيّ، والثاني: فقهيّ. وقد وقفت على تفصيله، وكان الاختلاف في الحديث عن رسول الله من نتائج هذا القرار. مضافاً إلى العوامل المذهبيّة و...
وبذلك لم يصحّ ما ذهب إليه جولد تسيهر من أنّ أحاديث النهي عن الكتابة وضَعَها أهلُ الرأي وأنّ الاَحاديث التي تثبت الحديث وضعها أهل الحديث[٣]ع. وإن كنّا لا ننكر دور دعاة الرأي ـ على عهد رسول الله والخلفاء ـ في أحاديث النهي، أمّا ظاهرة التحديث والتدوين فقد عمل به كبار الصحابة وشرّعه رسول الله، وليس هو ممّا وضعه أهل الحديث كما ادّعاه جولدتسيهر.
ومن هذا المنطلق لا أرى ضرورة لاَن يقوم بعض الكتّاب بالجمع بين أحاديث الحظر وأحاديث الاِباحة، لاعتقادي بكون الاَمر سياسيّاً، وقد وقفت على تفاصيله. وهو أهمّ ممّا قيل في وجوه الجمع بينها كالقول: بأنّ بعض الاَحاديث مرفوعة والاَُخرى موقوفة، ويلزم ترجيح المرفوعة على الموقوفة.. وما شابه ذلك من وجوه الجمع.
____________
[١] في حديث أبي سعيد الخدريّ: تقييد العلم: ٣٠ ـ ٣١، مسلم ٤: ٢٢٩٨ كتاب الزهد، باب ١٦، أحمد ٣: ٢١ و٣٩.
[٢] علوم الحديث ومصطلحه: ٧ ـ ٩، السنّة قبل التدوين: ٥٣.
[٣] انظر دراسات في الحديث النبويّ: ٨٢.
===============