منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٥٣
مالكبن أنس وطلب المنصور منه أن يدوّن السنّة حتّى يجمع الناس على ذلك، ودعوته أبا حنيفة للخوض في نقاش مع صادق أهل البيت..[١]وغيرها من النصوص التي تؤكّد التخالف الفكريّ والاَُصول المبتناة عند الطرفين.
إنّ هؤلاء قد اتّخذوا الاختلاف الفقهيّ وسيلة للتعرّف على الطالبيّين، فزادت لاَجله الاَحاديث المتناقضة والمرجِّحة لبعض المذاهب في الشريعة الاِسلاميّة[٢].
قال الاَُستاذ أحمد أمين: (... ومن الغريب أنّنا لو اتّخذنا رسماً بيانيّاً للحديث لكان بشكل هَرَم، طرفُه المدبَّب هو عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ يأخذ في السعة على مرّ الزمان حتّى يصل إلى القاعدة، فهي أبعد ما تكون عن عهد الرسول. مع أنّ المعقول كان العكس؛ فصحابة الرسول أعرف الناس بحديثه، ثمّ يقلّ الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوي عنه وهكذا.
ولكنّا نرى أنّ أحاديث العهد الاَمويّ أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين، وأحاديث العصر العبّاسيّ أكثر من أحاديث العهد الاَمويّ)[٣].
ثمّ علّل ذلك بنشاط حركة الهجرة في طلب الحديث ودور اليهود والنصارى في مسخ الشريعة، متناسياً دور السلطة وأهدافها السياسيّة.
لكنّي أتساءل: هل يمكن لليهود ـ وهم الذين يعطُون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ـ ممارسة دورهم الهدّام بعيداً عن أيّ دعم أو تغاضٍ من قبل السلطة الحاكمة؟ وبنظري أنّ العوامل السياسيّة والذهاب إلى مشروعيّة رأي الجميع كان من العوامل المهمّة في هذا المجال، وقد توقّع حدوثه الخليفة الاَوّل، يوم قال أبو بكر: والناس بعدكم أشدّ اختلافاً. وما جاء عن رسول الله وتخوّفه على مستقبل الشريعة إنّما يرشد إلى ضرورة التزام سنّته، ولزوم الاَخذ بقول العترة من آله كما صرّح (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين.
اتّضح من كلّ ما سبق أنّ هذه الاَفكار وغيرها قد حدثت من جرّاء المنع
____________
[١] انظر الحوار وتعليقنا عليه في "وضوء النبيّ": ٣٤٩ ـ ٣٥٣.
[٢] بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب (وضوء النبيّ).
[٣] ضحى الاِسلام ٢: ١٢٨ ـ ١٢٩.
===============