منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٤٩
فالقائلون بحجّيّة الرأي واجتهادات الصحابة كانوا يعارضون التحديث عن رسول الله وتدوين سنّته، ويرجّحون اجتهادات الشيخين على كلّ شيء.
وأمّا أنصار مدرسة التعبّد المحض فكانوا يقفون أمام تهديدات هؤلاء، موضّحين فقه رسول الله، وناقلين حديثه للناس، ولو وضعت الصمصامة على أعناقهم!
وجاء عن عليّ أنّه قال لمّا طُعِن : أمّا وصيّتي إيّاكم، فالله عزَّ وجلَّ لاتشركوا به شيئاً، ومحمّد لا تضيّعوا سنّته، أقيموا هذين العمودين...[١] وعن ابن كثير، عن أبيه، قال: أتيت أبا ذرّ، وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثمّ قال: أوَلَمْ تُنهَ عن الفُتيا؟! فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عَلَيَّ؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه، وأشار إلى قفاه، ثمّ ظننت أنّي أُنِفُذ كلمةً سمعتُها من رسول الله قبل أن تجيزوا عَلَيَّ، لاَنفذتها[٢].
انظر إلى أبي ذرّ كيف يُصِرّ على تبليغ ما سمعه من رسول الله، وإن وُضِعَت الصمصامة على عنقه! وانظر إلى عدوله عن لفظ السائل (الفيتا) إلى لفظ (سمعتها من رسول الله) لتعلم التفاوت بين الاتّجاهين.
إنّها المسؤوليّة التي يتحسّسها أبو ذرّ وغيره من أتباع نهج التعبّد المحض، فيجدّون في تبليغ سنّة رسول الله حتّى آخر نفس، لقوله: (ثمّ طننتُ أنّي أُنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله قبل أن تجيزوا عَلَيّ، لاَنفذتها).
كيف لا يقول ذلك، وهو قد سمع رسول الله في أكثر من مشهد وموقف أنّه يتخوّف على أُمّته من الضلال والابتعاد عن الصراط والاَخذ بسنن الآخرين بُغضاً لعليّ؟!
عن حسن الكنانيّ: قال سمعت أبا ذرّ وهو آخِذٌ بباب الكعبة: أيّها الناس،
____________
[١] المعجم الكبير لللطبرانيّ ١ : ٩٦ .
[٢] تذكرة الحفّاظ ١: ١٨ وفيه: وعلى رأسه فتى من قريش، فقال: أما نهاك أميرالمؤمنين عن الفتيا؟ وفي فتح الباري، قال ابن حجر: إنّ الذي خاطبه رجل من قريش، والذي نهاه عثمان.
===============