منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٤٣
قرآن وسنّة.
الثاني: يرى الاجتهاد فيما لا نصّ فيه وما فيه نصّ، ويذهب إلى اعتبار ما يراه من المصلحة.
فالمصلحة هي الوسيلة الاَقوى التي اتّخذها الحكّام، فهم لايقولون بشيء إلاّ بادّعاء أنّ المصلحة في فعله، ولا ينهون عن شيء إلاّ بتصوّر أنّ المصلحة في تركه. لكنّ السؤال الذي لا مفرّ منه هو: هل مشروعيّة هذه المصلحة مُنْتَزعة من النصّ أم لا؟
إنّ أصحاب نهج التعبّد المحض لو أخذوا بالاَحكام الثانويّة فإنّهم يكونون قد أخذوا بها على ضوء النصوص ولفترة محدودة بمقدار الضرورة، لااجتهاداً من عند أنفسهم.
وأمّا المصلحة في نهج الخلفاء فإنّها تؤخذ من فعل الخليفة وما رآه مصلحة بحيث تكون حكماً دائميّاً لا وقتيّاً، وهذا فارق عظيم بين الحالتين.
نعم، إنّ الاجتهاد له مطّاطيّة وانسيابيّة، ولا يمكن لاَحد الحدّ من سيره، وإنَّ راكبه كما وصفه الاِمام عليّ بن أبي طالب في خطبة الشِّقشقيّة: (كراكِبِ الصَّعْبة...) لا يمكن لاَحد أن يلجمه والاِمساك بزمامه.
المرحلة الثانية :
كان عثمان يميل إلى مواصلة سنّة الشيخين، لكنّه في الوقت نفسه يرى لنفسه الاَهليّة في الاِفتاء والاجتهاد كالشيخين؛ لما يراه من مصلحة ورأي، لاَنّ تحديد إفتائه وحديثه (بما عُمِل في زمن الشيخين) ـ كما هو المصرّح به في خطبته الاَُولى ـ كان يؤذيه، لسابقته في الاِسلام ومصاهرته الرسول، ولكونه ليس بأقلّ شأناً من عمر وأبي بكر، فكيف يجوز للناس أن يعترضوا عليه لمخالفته بعض اجتهادات الشيخين وهو قد شاهدهم بالاَمس قد سكتوا عن اجتهادات عمر المخالفة لسنّة رسول الله؟! بل إنّهم قد ارتضوا تلك الاجتهادات وجعلوها نهجَ حياة، يضاهي ويوازن سنّة رسول الله، بل يعارضها في موارد كثيرة، وهو في بعضها أجسر فيما شرّعه من عثمان وأجرأ.
===============