منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٤٢
عمربن الخطّاب لم يكن متفرّغاً لملازمة الرسول والاَخذ عنه، بل كان يتناوب هو وأخ له من الاَنصار للاَخذ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعن عمر ـ كما أخبر البخاري ّـ أنّه قال: كنت أنا وجارٌ لي من الاَنصار في بني أُميّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنّا نتناوب النزول للاَخذ عن رسول الله، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك[١]، وكان البيع والشراء في الاَسواق ممّا يشغله ويلهيه عن ملازمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والاستمداد منه، لقوله: (وكان يلهيني الصفق في الاَسواق)، وقال له أُبيّ: وكان يلهيك الصَّفْق في الاَسواق. فكان هذا أحد أسباب قلّة التلقي عن رسول الله.
بَيْدَ أنّ الوقائع المستجدّة تحتاج إلى حلول فوريّة يلزم استقاؤها من القرآن والسنّة، وبما أنّ الخليفة لم يكن عارفاً بجميع السنّة ووجوه التأويل، فإنّه واجَهَ مشكلة في ذلك مستعصية إذ إنّه لو أفتى بشيءٍ يخالف القرآن أو السنّة كان في حرجٍ أمام الصحابة الذين سيعلنون عن الموقف الشرعيّ السليم في الواقعة كما سمعوه من رسول الله.
لذلك تراه يبدأ السؤال عن حكم الرسول ـ كي لا يُحرَج لاحقاً ـ أو تراه يخضع لما يذكّره به الصحابة من أقوال النبيّ وأحاديثه دون نقاش.
لكنَّ استمرار حالة سؤاله الصحابة عن حكم الوقائع والحوادث المتتابعة، وافتراض كون الاَحكام مستنبطة من النصوص.. من شأنه إيقاع الخليفة في حرج آخر كلّما دعت الحاجة إلى موقف شرعيّ كاشف عن حكم الله جلّ جلاله، ومن شأن استمرار هذه الحالة أيضاً أن تفوّت على الخليفة كثيراً من الفرص. ومن هنا وجد من الضروريّ له خروجاً من الحرج وفوات الفرص أن يصير إلى تشريع الاجتهاد والعمل بالرأي؛ لاِعذاره وإعذار من يسير على نهجه من المسلمين.
ولذلك صار عند المسلمين اتّجاهان:
الاَوّل: لا يرتضي الحكم والاستنباط إلاّ على ضوء النصّ الشرعيّ من
____________
[١] البخاريّ كتاب العلم ١: ٣٣ باب ٢٧.
===============