منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٠
يحرز الرجل فيه نفائسه، قال ابن دريد: وهذا من كلامه الموجز الذي لميسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأُموره الباطنيّة التي لايطّلع عليها أحد غيره، وذلك غاية في مدح عليّ.
وعليه فقد اتّضح لك بعض أُصول الاختلاف بين مدرسة أهل البيت ومدرسة الخلفاء، وأنّ الاَُصول الفكريّة كانت الخلاف الكبير بينهما، وأنّ العترة طلبوا الخلافة لكي يحقّقوا أهداف الشريعة وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ الخلافة في نفسها ليس لها أدنى سبيل إلى نفوسهم وليس لهم أدنى ميل إليها. قال ابن عبّاس: دخلت على أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بذي قار، وهو يخصِف نَعْله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها. فقال (عليه السلام): "والله لَهِيَ أحبُّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً"[١].
هذا، وأنّ العترة من أهل البيت لا يرتضون العمل بما يُنقل عنهم إلاّ بعد عرضه على الكتاب؛ فإن وافقَ القرآن وأحرز تطابقه معه يؤخذ به، وإن خالفه يُطرح ويُضرب به عرض الحائط ـ حسب تعبيرهم ـ كلّ ذلك حرصاً منهم على إيضاح الضوابط التي يؤخذ أو يردّ على أساسها الحديث، وليس حسن الظنّ بالصحابة وما شاكله من الاَُمور التي يمكن الاعتماد عليها وبناء الشريعة وفقهها مع ما قدّمنا من أُمور وأدلّة.
وهذا هو معنى الوحدويّة في الفكر والاَُصول، فكلام العترة يفسّر القرآن، والقرآن يشيد بطهارة العترة،فـ (عليٌّ مع القرآن، والقرآنُ مع عليّ) وأنّك لاترى في كلام العترة تخالفاً مع القرآن وكذا العكس!
وهذا بعكس فقه الخلفاء الذين لم يرتضوا عرض فقه الرجال على القرآن، وربّما كانوا يعدّون ذلك من عمل الزنادقة[٢]! لمعرفتهم بوجود تبايُن ـ في كثير من الاَحيان بين القرآن واجتهادات الصحابة، بل يجعلون فقه الصحابة وعملهم مخصِّصاً حتّى للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الريب حبّاً أعمى،
____________
[١] نهج البلاغة: ٧٦|الخطبة ٣٣.
[٢] قد مرّ عليك كلام ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله، وراجع مقدّمة مصنّف ابن أبي شيبة.
===============