منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٣
وقد استحكم الشكّ في قلبه ـ بسبب الاختلاف الذي منع على أساسه التحديث ـ فسرى حتّى شمل أصحابه العدول المؤتمنين، فغدا يُسقط جميع المرويّات، حتّى التي دوّنها هو بنفسه، ولذلك تشدّد أكثر، وراح يحظر التدوين أيضاً بعد منعه التحديث.
وقد قال الدكتور حسين الحاجّ حسن في كتابه "نقد الحديث" وهو في معرض الكلام عن نشأة الحديث: "أمّا إذا انتقلنا إلى عصر الصحابة وجدناهم غالباً يكرهون تدوين الحديث، بينما يرغبون في روايته، وهو أمر غريب، يحبّون رواية الحديث ويكرهون تدوينه! سؤال يحتاج إلى بحث وتفسير"[١]!!
هذا هو الظاهر الذي يمكن أن نفهمه من تعلِيلَي أبي بكر، مع أنّ واقع المنع يمكن أن يستند إلى أسباب أُخر، غير ما أظهره في هذين التعليلين، إذ أوضحنا سقوطهما عن الاعتبار بما مرّ من الاِشكالات.أمّا الاَسباب الواقعيّة للمنع، فسيأتيك وجهها في السبب الاَخير إن شاء الله.
وبذلك عرفنا أنّ تعليل الخليفة لمنع التدوين، تعليل غير مقنع، ولايثبت أمام البحث والمناقشة.
____________
[١] نقد الحديث ١: ١٤٢.
السبب الثاني
ما طرحه الخليفة عمر بن الخطّاب
ويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين:
أ ـ عن عروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً، وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا أُلبِسُ كتابَ الله بشيء أبداً[١].
وروي عن يحيى بن جعدة: "أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها. ثمّ كتب في الاَمصار: من كان عنده منها شيء فليمحُه"
[٢].
ب ـ عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس! إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلايُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي.
قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنار!!
ثمّ قال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب
[٣].
وفي الطبقات الكبرى: "مثناة كمثناة أهل الكتاب"
[٤].
____________
[١] تقييد العلم: ٤٩، حجّيّة السنّة ٣٩٥ عن البيهقيّ في المدخل ، وابن عبدالبرّ.
[٢] تقييد العلم: ٥٣، حجّيّة السنّة: ٣٩٥.
[٣] حجّيّة السنّة: ٣٩٥.
[٤] الطبقات الكبرى لابن سعد ١: ١٤٠.
===============