منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٢
وبعد أن مُنع التحديث تضاعفت الحاجة لتدوين الآثار النبويّة، بسبب رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أوّلاً، وبسبب حظر التحديث من قبل الخليفة ثانياً، وبسبب بروز اتّجاه الرأي وتحرّكه في دائرة الفراغ، ممّا اضطرّ بعض الصحابة إلى أن يدوّنوا مسموعاتهم ويحتفظوا بها للاَجيال القادمة، ولذلك ثنّى الخليفة أبوبكر بمنع التدوين بعد منعه التحديث.. وهذا التسلسل في المنع ليس بذي أهمّيّة بالغة إذا ما قيس بتأثير الحدث تاريخيّاً، لاَنّ المنع بكلا شقّيه ـ التحديثيّ والتدوينيّـ كان في أمد لا يتجاوز الاَربع سنين، وكانت هي البذرة الاَُولى في هذا السبيل، ثمّ سار على خطاها عمر بن الخطّاب، ومَن بعده من المانعين، واستمرّت ـ إلاّ في خلافة عليّ بن أبي طالبـ حتّى فتح التدوين في زمن متأخّر من العهد الاَمويّ.
والواقع أنّ أبا بكر وعمر وعثمان نجحوا في منع التدوين نجاحاً كبيراً، ولكنّهم لم يلاقوا مثل هذا النجاح في منع التحديث؛ فالصحابة والتابعون وتابعو التابعين لم يلتزموا بحظر التحديث، وإن كانوا قد تظاهروا بالانصراف عن التدوين، إلى أن فتح عمر بن عبد العزيز باب التدوين.
وحين انفتح التدوين الحكوميّ ـ في زمن الاَمويّينـ صار مقدّمة لشيوع ظاهرة تدوين موضوعات الحديث على مصراعيه، ممّا أتاح للحكّام جمع أكبر عدد من المدوّنين ليدوّنوا لهم ما يروقهم من الاَحاديث بعد أن كان الوضع قد تفشّى منذ أوائل العهد الاَمويّ، وقد فصّلنا الكلام عن هذا في كتابنا "وضوء النبيّ"[١]، وقلنا إنّ معاوية أمر كعب الاَحبار أن يجلس في المسجد ويقصّ للناس، كي يضع له ما يريد من أحاديث، ويعارض ما لا يعجبه منها، فكان أنْ وُضِعَ على لسان الرسول أحاديث كثيرة.
من هنا يمكن أن نقول: إنّ رأي الخليفة أبي بكر هو رأي واحد، بكلا شقّيه. ومفاده الحَجْر على التحديث والتدوين، وإن كان قد علّل منعه للتحديث أوّلاً بتخوّفه من الاختلاف في المرويّات، وأدّاه ذلك إلى دعوته للاَخذ بكتاب الله وحده.
____________
[١] وضوء النبيّ: المدخل ص٢٥٦.
===============