منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣١٠
جاء في "تقييد العلم": أخبرنا صالح بن كيسان، قال: اجتمعت أنا والزهريّ، ونحن نطلب العلم، فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). ثمّ قال: نكتب ما جاء عن أصحابه، فإنّه سنّة.
فقلت أنا: ليس بسنّة فلا نكتبه.
قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيّعت[١].
قال أبو زهرة : وجدنا مالكاً يأخذ بفتواهم كما أنّها من السنّة[٢].
وقال موسى جار الله : ونحن فقهاء أهل السنّة والجماعة، نعتبر سيرة الشيخين: الصدّيق والفاروق أُصولاً تعادل سنن النبيّ الشارع في إثبات الاَحكام الشرعيّة في حياة الاَُمّة وإدارة الدولة . ونقول إنَّ الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة المعصومة[٣].
كيف لا يكون ذلك والحكومة وراء نهج الخلفاء، تثبّت ما يريدون، وتترك جانباً ما لا يرغبون فيه؟! وإليك هذا النصّ:
نقل أبو بكر الصنعانيّ: أتينا مالك بن أنس، فحدّثَنا عن ربيعة الرأي ـ وهو أُستاذ مالك ومعلّمه ـ فكنّا نستزيده، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟
فأتينا ربيعة، فقلنا: كيف يُحيط بك مالك ولم تُحِط أنت بنفسك؟!
فقال: أما علمتم أنّ مثقالاً من دولة خير من حِمل علم[٤].
وهذا يكشف عن مواقف النهجين وامتدادهما في العصر الاَمويّ والعبّاسيّ، واختلاط النصوص بحيث يعسر تمييز صحيح الحديث من سقيمه، وهو ما أراده هؤلاء الخلفاء للعصور اللاحقة!
____________
[١] جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٦ ـ ٧٧، تقييد العلم: ١٠٦ ـ ١٠٧.
[٢] ابن حنبل : ٢٥١ ، ومالك : ٢٩٠ .
[٣] الوشيعة : ٧٧ .
[٤] انظر طبقات الفقهاء لاَبي إسحاق: ٦٧، تاريخ بغداد ٨: ٤٢٤ وللمزيد انظر: الاِحكام لابن حزم ١: ٢٤٦ وما بعده.
تساؤلات وموازنة
إنّ التصريح بأسماء عشرة من الصحابة على أنّهم من أهل الجنّة يخالف الواقع العمليّ لسيرتهم، إذ كيف يمكننا أن نصحّح الخبر مع أنّ طلحة والزبير يقاتلان عليّاً وهو يومئذٍ الخليفة الشرعيّ، والكلّ من أهل الجنّة؟! في حين نعلم أنّ الحقّ واحدٌ، فإن كان عليّ مع الحقّ فطلحة والزبير على الباطل، وإن كانا على الحقّ، فعليّ على الباطل!
ولو قبلنا خبر "العشرة المبشّرة"، فكيف نفعل بما رواه البخاريّ عن رسول الله من قوله: إذا التقى المسلِمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
فقلت: يا رسول الله! هذا القاتل.. فما بال المقتول؟!
قال: إنّه كان حريصاً على قتل صاحبه.
إنّ هذا لَيجعل الباحث في حيرة، لا يدري أيصدّق: كونهما من أهل الجنّة، أم أنّهما من أهل النار؟
وما هي وظيفة الصحابيّ؟ هل يقاتل الفئة التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله، أم ينبغي له اتّباع من غلب، كما في قول ابن عمر؟!
وإذا كان كلّ واحد من العشرة له أن يفعل ما يشاء وكيفما يشاء، باعتباره من أصحاب الجنّة، فلماذا لم يدركوا هم هذه الحقيقة ويترك بعضهم البعض الآخر، وإذا كان هذا المنطق هو الصحيح، فلماذا نرفض الفوضويّة في التفكير؟ وهل هذا الكلام إلاّ عين الاستهانة بدماء وأموال وأعراض المسلمين؟!
ولماذا نرى عمر بن عبد العزيز يؤكّد على أبي بكر عمرو بن حزم أن يكتب ما كان من حديث رسول الله وسنّة صاحبيه، أو في حديث آخر: عمرة، وفي ثالث: عمر؟!
فما يعني في خطبته: (إلاّ ما سَنّ رسول الله وصاحباه، فهو ديِن نأخذ به وننتهي إليه، أمّا ما سنّ سواهما فإنّا نُرجئه...)؟!
لماذا أرجأ عمر بن عبد العزيز سنّة عثمان وعليّ؟ ألم يكونا من الخلفاء الراشدين، ورسول الله أكّد على الاَخذ بقولهم: (عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء
===============