منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٨٦
علمك وكتبك، ونبثّها في الاَمصار، ونعهد إليهم ألاّ يخالفوها، ولايقضوا بسواها.
فقال: مالك: أصلح الله الاَمير، إنّ أهل العراق لا يرضون علمنا ولايَرَون في علمهم رأينا.
وفي آخر: قال المنصور لمالك: اجعل يا أبا عبد الله علماً واحداً. فقال مالك: إنّ أصحاب رسول الله تفرّقوا في البلاد، فأفتى كلّ في مصره بما رأى، وإنّ لاَهل البلد ـ يعني مكّة ـ قولاً، ولاَهل المدينة قولاً، ولاَهل العراق قولاً تعدّوا في طورهم. فقال المنصور: أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرْفاً ولا عدلاً، وأما العلم عند أهل المدينة، فضع للناس العلم[١].
إن فقه أهل المدينة ـ كما قلنا ـ يخالف في الغالب فقه أهل البيت، وفي كلمات الاَئمّة من آل الرسول ما يوضّح ذلك.
أمّا فقه أهل العراق فإنّهم وإن قالوا بالرأي وتأثّروا بالاَحاديث المطروحة من قبل السلطة، لكنّ أقوالهم في الاَعمّ الاَغلب تتّفق مع مدرسة أهل البيت، وما في كلام المنصور: (أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً) وقوله: (لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثّها في الاَمصار ونعهد إليهم أن لايخالفوها ولايقضوا بسواها) ما يوضِّح هذه الحقيقة بلا ارتياب.
وجاء في كتاب مالك إلى ليث بن سعد ـ فقيه أهل مصر ـ: واعلم رحمكالله أنّه بلغني أنّك تفتي الناس بأشياء مختلفة لما عليه جماعة الناس عندنا وبلدنا الذي نحن فيه وأنت في أمانتك وفضلك[٢]...
فالسياسة الحكوميّة سواء كانت أمويّة أو عبّاسيّة تسعى للمخالفة مع فقه أهل البيت، وهذه حقيقة لا يسع من له صدق وإنصاف أن يشكّ فيها، أو أن ينكرها.
إنّ هذه النصوص التي أوردناها هي التي تدلّ بنفسها على هذه المعاني.
____________
[١] انظر وضوء النبيّ: ٣٥٤ عن الاِمام مالك ص١٣٣ ، وترتيب المدارك: ٣٠ ـ ٣٣.
[٢] أثر الاَدلّة المختلف فيها للدكتور مصطفى البغا، عن ترتيب المدارك ١: ٣٦.
===============