منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٦
يهدف المنع من التحديث مطلقاً لقوله في النصّ الثاني: "فلا تحدّثوا عن رسول الله".
فلو كان التدوين جائزاً فما معنى النهي؟ ولو صحّ النهي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلماذا جمع أبو بكر خمسمائة حديث[١]؟!
إنّ منع الخليفة من تناقل حديث رسول الله، وحرقه لما جمعه من أحاديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستند إذَن إلى أصل شرعيّ.
أمّا النصّ الثاني: فإنّه يجسِّم حال الاَُمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الخليفة أرجع سبب اختلافهم إلى اختلاف النقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لقوله: "إنَّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً".
فمهما يكن الاَمر، فإنّ الحاجة إلى التحديث من جهة ووجود الاختلاف في المرويّات من جهة أُخرى. كان أمراً مهمّاً قائماً لابُدّ من حلِّه بطريقة ما.
وقد نحا الخليفة الاَوّل منحى المنع من التحديث، والاقتصار على القرآن كحلّ لهذه الاَزمة التي ظهرت بوضوح بعد فقد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ تخلّصاً من الروايات المختلفة التي يبدو أنّ الخليفة عجز عن الجمع بينها، ممّا اضطرّه إلى منعها جميعاً دون استثناء، خصوصاً مع علمه بتوسّع دائرة الخلاف بتطاول الاَزمان في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
وموقف الخليفة أبي بكر، في منعه للتحديث، يثير عدّة تساؤلات:
أوّلها: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبعث أعيان الصحابة معلّمين للناس، ومنذرين. وكان يأمر الناس بالاَخذ عنهم، والتفقّه على أيديهم، خصوصاً بعد "آية الاِنذار".
ومنع الصحابيّ من رواية ما سمعه والعمل به، يعني إلغاء وظيفة العالِم الشرعيّة في تعليم الناس وتبصيرهم. وأمّا حدوث التقوّل والافتراء من قبل بعض الصحابة، فهو يستدعي ردع المتقوّل ومنع المفتري ذاته من التحديث، ولامعنى لمنع الجميع.
____________
[١] كما مرّ في ص١٧.
===============