منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤٣
"من" على أصلها، يعني أنّ عمر كان كثيراً ما يحكم بالاَمر ثمّ ينقضه ويُفتي بالفُتيا ثمّ يرجع عنها ويعتذر ممّا أفتى به أوّلاً. ويمكن أن يكون (من) ههنا للتعليل والسببيّة، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لاَجلها، قال:
أمِن رسمِ دارٍ مربع ومَصيف * لعينيكَ من ماء الشُّؤون وَكِيفُ؟
أي لاَجل أن رسمَ المربّعُ والمصيفُ هذه الدارَ وَكَف دمع عينيك؟ والصعبة من النُّوق: ما لم تُرْكُب ولم تُرَض، إن أشنق لها راكبها بالزمام خَرَم أنفها، وإن أسلس زمامها، تقحّم في المهالك، فألقته في مهواة أو ماء أو نار، أو ندّت فلمتقف حتّى تُرديه عنها فهلك. وأشنق الرجل ناقته إذا كفّها بالزِّمام وهو راكبها)، إلى أن يقول في معنى قوله عليه السلام (فَمُنِي الناس): أي بُلي الناس، قال:
* مُنيتُ بِزَمَّرْدَةٍ كالعصا *
ويبدو لنا من قوله هذا ما يجسّم مراحل التغيُّر والتبدّل الذي طرأ علىالاَُمّة في زمن حكومة الخليفة عمر بن الخطّاب، وكيف أنّ الناس "مُنُوا" بهذا الداء العضال الذي أبعدهم عن الجادّة التي كان يفترض أن يسلكوها في حياتهم الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فيقول الاِمام عليّ في المرحلة الاَُولى "فمُنيَ الناسُ لعمر الله بخبطٍ"، وهو السير دون اهتداء وعلى غير الجادّة، إذ بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تبيّن واضحاً عجز من قام بعده في كلّ المجالات الدينيّة والثقافيّة والاِرشاديّة وحتّى السياسيّة، حيث خلطت السياسة آنذاك بين المرتدّين وغيرهم، بُغيَةَ التخلّص من الاَعداء السياسيّين للخليفة الاَوّل، فترى قتل مالكبن نويرة تبقى ظلامة دون رادع من الخليفة، لكنّ قِصَر فترة خلافة أبي بكر غطّت شيئاً مّا من الفجوات، ولم تظهر "الخبط" بمظهر صارخ، بعكس خلافة عمربن الخطّاب التي امتدّت عمراً طويلاً فتبيَّن فيها من الاَُمور والاَحداث ما لم يكن بائناً من ذي قبل، وهذا هو الذي جعل الاِمام عليّاً يوكّد
===============