منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤١
الرسول فيما جهلاه من أحكام كمسائل الجدّة وغيرها، وإذا حدث تخالف بين رأيهما وقول رسول الله فإنّهما كانا يتراجعان عمّا أفتيا به، كما حصل في موارد كثيرة، لكنّ عمر ـ في الفترة الاَخيرة من خلافته ـ لم يرتضِ الرجوع عمّا أفتى به، بل أمر بحبس الصحابة عنده حتّى وافاه الاَجل.
إنَّ الشيخين ـ بل عامّة المسلمين ـ كانوا يعلمون أن المشرِّع هو الله ورسوله، وليس لاَحد حقّ التشريع أمام نصّ القرآن والسنّة، وكلّ ما لَهما هو أن يستنبطا الاَحكام من القرآن والسنّة. وإنّ تراجعهما عمّا أفتيا به وأخذهما بكلام الصحابة والمحدِّثين عن رسول الله، ينبىَ بأن الاَصل كان عندهما السنّة لااجتهاداتهم.
لكنّهم وبمرور الاَيّام أخذوا يؤكّدون على رأيهم واجتهاداتهم، وإن كان مخالفاً لقول رسول الله أو مخالفاً لاجتهادتهم السابقة، فمثلاً يقول عمر: (تلك على ما قَضَيْنا، وهذه على ما قَضَيْنا)! نعم إنّه يعلم أنّ بيان التخالف بين نُقُول الصحابة عن رسول الله واجتهاداته لو استمرّ فمن شأنه أن يؤدّي إلى انفصال القيادتين السياسيّة والعلميّة عمّا بينهما، وهذا ممّا لا يقبله الخليفة بأيّ وجه من الوجوه.
إنّ السماح بتناقل حديث رسول الله يودّي إلى رفع مستوى الوعي والتبصّر عند المسلمين بوقوفهم على سنّته (صلى الله عليه وآله وسلم). ولمّا كان الخليفة لايعرف كلّ ما صدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه لا محالة سيخالف باجتهاده قول الرسول، وهذا سيضعه أمام مشكلة مع الصحابة، ويؤدّي إلى تخالف آرائهم في الاَحكام. ومن أجل القضاء على كلّ هذا قال لمن جمعهم من الصحابة: (إنّكم أفشيتم الحديث عن رسول الله) وفي آخر: (أكثرتم الحديث عن رسول الله).
لاَنّه كان يرى أنّ في الاِفشاء والاِكثار ثقل المواجهة!
نعم إنّه جاء ليؤكّد على القياس والاَخذ بالرأي، كما مرّ في رسالته إلى أبي موسى الاَشعريّ وشُريح القاضي، وكذا الحال بالنسبة إلى أحاديث الاجتهاد التي رويت عن معاذ وعمرو بن العاص وغيرهما عن النبيّ فإنّها جاءت لتصحيح الموقف.
===============