منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٣٠
(وما يَنْطقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى)[١]وقوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكْمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[٢]وقوله: (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غيرِ اللهِ لَوَجدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً)[٣]، فأخبر عزّ وجلّ أنّ كلام نبيّه وحي من عنده، كالقرآن في أنّه وحي[٤].
والخليفة أبو بكر لمّا قال ـ بعد وفاة رسول الله ـ كما في مرسلة ابن أبي مليكة المارّة الذكر: (بيننا وبينكم كتاب الله) أراد بقوله الاكتفاء بالقرآن، وقد سبقه إلى هذا الرأي عمر بن الخطّاب عند مرض الرسول عندما قال (حسبنا كتاب الله). وإنّ فاطمة بنت رسول الله احتجّت عليه بالقرآن وحده في نزاعها معه في فدك إلزاماً له بما ألزم به نفسه حين قال: "حسبنا كتاب الله" فاستدلّت على أحقّيّتها بعموم آيات الاِرث والآيات الدالّة على أنّ الاَنبياء يورِّثُون. ويُورثون، فاستدلّ هو بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "نحن معاشر الاَنبياء لا نورث"، فاستدلّ بالسنّة المُدَّعاة بعد أن قال حسبنا كتاب الله، وهذا تهافت واضح.
فماذا كانوا يعنون بكلامهم هذا وهم أقرب المسلمين زمناً للتشريع؟
أكانوا يريدون ما أراده الخوارج لاحقاً من الاستعانة بالقرآن في فهم جميع الاَُمور والتشاغل به عن السنّة، أم كانوا يرجون غير ذلك؟
إنّ الدعوة إلى الاَخذ بالقرآن ووضع السنّة جانباً، مع تصريح الرسول في أحاديث الاَريكة بأنّ كلامه كلام الله، وهو المبيّن لاَحكام الله ثمّ إحلال اجتهاداتهم محلّه ما هو إلاّ قرار سياسيّ اتُّخذ لتصحيح ما يذهب إليه الشيخان، إذ لايخفى على أبي بكر وعمر أنّ الاَحكام بأسرها لا يمكن استقاؤها من القرآن وحده، وقد جاء في كلام عمران بن الحصين ـ مجيباً من قال: تحدّث بالقرآن واترك السنّة ـ:
أرأيتَ لو وُكلْتَ أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنتَ تجد فيه صلاة العصر
____________
[١] النجم : ٣ ـ ٤ .
[٢] الاَحزاب : ٢١ .
[٣] النساء : ٨٢ .
[٤] الاِحكام في أُصول الاَحكام ١: ١٧٤.
===============