منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٢٥
على اتّخاذ كتاب الله ميزاناً يُرَدّ إليه ما اختُلِف فيه، ودعوتهم المسلمين لاَن يتحرّروا من عقدة الخوف من إخضاع كلّ شيء للقرآن العظيم على أنّه الحاكم المهيمن الناطق بكلمة الفصل والحقّ.. الذي ينبغي طرح كلّ ما يخالفه ولاينسجم معه. وأنّ أحاديث أهل البيت التي قالوها لتعليم المسلمين وإمدادهم بالوعي الدينيّ المتبصّر صريحة في أنّ ما خالف كتابَ الله فهو زُخرف مكذوب.
ودعوتنا هذه التي نريد أن نخلُص إليها لا تتصادم مع ما قيل عن الشيخين ـ مثلاً ـ من عزوفهما عن كثير، من الملذّات، وفيما أسْدَوه من خدمات لتوسيع رقعة الاِسلام والانتشار في الآفاق؛ فهذا أمر محفوظ... بَيْد أنّ ما ينبغي التفطّن له هو أنّ التقشّف والفتوحات وحمل هموم الحرب والسلم شيء، وقضايا الشريعة الاِلـهيّة في خصائصها ونقاوة مصادرها شيء آخر مختلف، كما هو بيّن لمن يميّز الاَُمور ويملك ذهنيّة دقيقة لا تخلط الفرع بالاَصل، ولاتُدخل ملابسات الظروف الاجتماعيّة التاريخيّة في صُلب مضامين الدين.
إنّ المنع من تناقل حديث رسول الله ـ مع إصرار الصحابة على ضرورة التدوين، كما مرّ في خبر عروة بن الزبير[١]ـ ثمّ مخالفة الخليفة لرأيهم مع ملاحظة كونه قد رسم أُصول الشورى في الخلافة من بعده.. لاَمر عظيم، ينبىَ عن كون التدوين أمراً ثقافيّاً حضاريّاً يرتبط بالسياسة لايمكن للخليفة تجاهله، وعليه فإنّ قضيّة منع تدوين السنّة الشريفة لم تكن قضيّة ثقافيّة خالصة كما علّلها الخليفة بأنّها وليدة الخوف من اختلاط السنّة بالقرآن والخوف من تأثّر المسلمين بالاَُمم السابقة.
فالمسألة هنا ترتبط بالعلم، كما اتّضحت شواهد عديدة على ذلك، وأنّ الخليفة لم يكن يملك الرؤية العامّة للاَحكام ولم يكن على إحاطة تامّة ببيانات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا مقدرتهم في الجوانب الاَُخرى فالاَمر يتعلّق بالمقدرة العسكريّة والحنكة السياسيّة. والمعروف ـ عند أهل الخبرة ـ أنّ من له الحنكة السياسيّة
____________
[١] تقييد العلم: ٥٠، جامع بيان العلم وفضله١: ٦٤، كنز العمّال٥: ٣٣٩.
===============