منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١٦
فيما فعله الخليفتان وحظره على سواهما من الصحابة بالتي تلقى أُذناً صاغية؛ لاَنّ باب الرأي والتأوّل كان قد انفتح على مصراعَيه وتعذّر على من يريد إغلاقه أن يغلقه.. وغدا كلّ يريد لرأيه واجتهاده أن يُقابَل بالقبول كما فعل الشيخان من قبل.
إنّ ابن عوف في اشتراطه هذا قد أراد أن يسلب عثمان حقّ التشريع والاجتهاد بالرأي على الرغم من سابقته في الاِسلام وكونه صهر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) وخليفة المسلمين القادم، فتراه يأخذ العهد منه أمام المسلمين على الالتزام بالكتاب والسنّة وسيرة الشيخين على السواء.
المهم هو: أن التخطيط السياسيّ الدينيّ الذي رسمه الشيخان في حصر دائرة الشرعيّة بهما دون سواهما قد أُريد له أن يجعل أقوالهما في عداد شرعيّة السنّة. بَيْدَ أنّ الواقع ما كان يرى وجهاً مقبولاً لهذا الحصر والتخصيص، وهذا هو الذي جعل الاَمر على غير ما أُريد له أن يكون.
ومن الذين كانوا يدركون سياسة الشيخين وابن عوف في الشريعة، ويعرفون ما كان يريد هؤلاء بفعلهما وتأكيدهما على الرأي ـ الذي يدور في إطار تصحيح ما أفتى به عمر وأبو بكر ـ.. هو الاِمام عليّ بن أبي طالب الذي رفض تسلّم الخلافة بالشرط المذكور ـ لكي لا يصحّح بفعله اجتهاداتهما المخالفة في بعض الاَحيان للكتاب والسنّة ـ ذلك أنّ قبول هذا الشرط يعني إضفاء الشرعيّة على هذه الفكرة المستحدثة وهو ما لا يريده علي بن ابي طالب ولايرتضيه.
إنّ رفض عليّ للشرط المذكور، وامتناع ابن عوف تسليم الخلافة له، ليؤكّدان على مخالفة سيرة الشيخين واجتهادهما للكتاب والسنّة؛ لاَنّ إيمان عليّ وفهمه وفقهه ممّا لا يرتاب فيه أحد، بعد أن تواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في عليّ أنّه أعلم الصحابة وأفقههم وأقضاهم وأنّ الحقّ يدور معه حيثما دار. ويوضّح موقف الشورى هذا ارتسام معالم النهجين بوضوح، فأُولئك يدعون عليّاً أو الخليفة الجديد إلى الالتزام والتمسّك بنهج الاجتهاد والرأي، وعليّ (عليه السلام) ومن سار بسيرته يدعو إلى التمسّك بالتعبّد المحض ـ بكتاب الله وسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ـ وإن ابتعد بفعله هذا عن الخلافة الفعليّة للمسلمين.
===============