منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١
الجندل[١] كانت تعقد الكتاتيب للدراسة؛ وجاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أنشأ في مسجده صُفّة كان عبد الله بن سعيد بن العاصّ يعلِّم فيها الراغبين الكتابة والخطّ[٢].
قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الاَُمّيّة لم تكن متفشّية بين العرب بالشكل الذي يتصوّره بعض الكتّاب والمستشرقين، وبخاصّة عرب الحيرة وبادية الشام؛ لاَنّهم عاشوا زمناً طويلاً مع جيرانهم الفرس والروم، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مرّوا بها مع تلك الاَُمم المتحضّرة ليس من البعيد عليهم أن يتعلّموا الكتابة، وأن يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمسّ حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرّة الكريمة[٣].
فإذا كان القرآن يشرّع الكتابة والتدوين، والسنّة تُعنى بأمر الكتابة حتّى تجعل فداء أسرى بدر من المشركين في مقابل تعليم كلّ واحد منهم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة[٤]، فلا معنى إذَن للقول بمنع تدوين السنّة الشريفة من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ ألاَ يلفت أنظارنا عتاب الرسول لاَقوام، وقوله لهم: "ما بال أقوام لايُفَقّهون جيرانهم، ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم ولاينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلّمون من جيرانهم ولا يتفقّهون ولا يتّعظون؟!..."[٥].
وقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفد عبد القيس: "كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إيّاكم؟
قالوا: خير إخوان، ألانُوا فراشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلّموننا كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم).
فأعجب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وفرح بنا، ثمّ أقبل علينا رجلاً رجلاً يعرضنا على ما
____________
[١] المحبر: ٤٧٥.
[٢] انظر الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٢: ٣٧٤.
[٣] فجر الاِسلام: ١٣ ١٤.
[٤] الطبقات، لابن سعد ٢: ٢٢، سيرة ابن هشام، للسهيليّ ٢: ٩٢.
[٥] مجمع الزوائد ١: ١٦٤.
===============