منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٩٥
ويتكلّم به بأمر الله وبما يوافق مراد الباري سبحانه وتعالى، وأنّه كان يشاور أصحابه استطابة لنفوسهم وتعليماً لهم على الحنكة والتدبير، ثمّ يجزم هو (صلّى الله عليه وآله وسلم) بما أراه الله بما هو في صالح المسلمين، وما هو مراد الله سبحانه وتعالى. أقولُ: لو سلّمنا كلّ ذلك لكنّا نقول:
إنّ هذه القضايا هي مواقف في أُمور الحرب والموضوعات الخارجيّة، وهي ليست كاجتهادات الخليفة عمر بن الخطّاب؛ إذ إنّ غالب ما ذهب إليه كان في الاَحكام الشرعيّة وليس شيء منها في الموضوعات الخارجيّة! هذا بعد الاِغضاء عن أنّ اجتهاد النبيّ ـ لو فرض صحّته ـ لا يساوق اجتهاد غيره، باعتبار أنّ عقل النبيّ هو أكبر عقل وأَدْرَكُهُ للواقع، فإنّ اجتهاده جاء بعد إلمامه بالمصالح والمفاسد والمقدّمات والنتائج، وكان ذلك موافقاً لحكم الله الواقعيّ، واين هذا من اجتهاد غيره؟
نعم، إنّهم بطرحهم هذه الرؤية كانوا يريدون مساواته (صلّى الله عليه وآله وسلم) مع الصحابة لتعميم الاَمر عليهم، ولكي يرفعوا به التخالف الموجود بين أقوالهم، وليخلصوا إلى القول: إنّها اجتهادات كاجتهادات النبيّ!
بَيْد أنّ ما لا ريب فيه كما يشهد الجميع أنّ ما يسمّى باجتهاد النبيّ هو غيراجتهاد الصحابة، فالنبيّ لو ارتضينا أنّه مجتهد لم يكن يجتهد إلاّ في الموضوعات وأُمور الحرب والاَقضية، وذلك لا يعني أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يجتهد في الاَحكام كذلك.
وأمّا العمل بالوظيفة الظاهرة فإنّه لا يعني الاجتهاد بمعناه المعروف اليوم لاَنّ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "إنّما أحكم بالظاهر وإنّكم تختصمون إلَيّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجّته من بعض، فمن قضيتُ له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنّما قطع له قطعة من النار"[١]، يعني أنّ على الحاكم أن يحكم طبق ظاهر الاَدلّة المطروحة، لاعلى البواطن والواقع، وإن كان منكشفاً له (صلّى الله عليه وآله وسلم) انكشافاً تامّاً، إذ الاَنبياء والرسل والاَوصياء كلّهم مأمورون أن يحكموا بالظاهر إلاّ من كلّفه الله بالحكم الواقعيّ كالخضر (عليه السلام).
____________
[١] أنظر اجتهاد الرسول: ٩٧.
===============