منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٩٣
وألم يكن الاجتهاد هو ممّا يحتمل الخطأ فيه، ولا يفيد إلاّ الظنّ؟
وإذا كان الرسول بمقدوره الحصول على اليقين، فكيف يعمل بالظنّ الذي هو أقلّ درجة عن اليقين.
يضاف إلى ذلك القول: ماذا نفعل بالآيات الاَُخرى الآمرة بلزوم اتّباع كلام رسول الله، كقوله تعالى: (مَا آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوُه، وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[١]وقوله تعالى: (فلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُم...)[٢]؟! فنحن لو اعتبرنا الاجتهاد وعرفنا أنّه مبتنٍ على الظنّ، وممّا يُحتمل الخطأ فيه، فكيف يوجب سبحانه اتّباع الظنّ والخطأ في أحكامه؟! وقد نهى سبحانه عن اتّباع الظنّ بقوله: (إنّ الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئاً)[٣]؟!
يبدو أنَّ الاِصرار على القول باجتهاد الرسول، إنّما صِير إليه لتصحيح اجتهادات الصحابة، ومنحها السمة المشروعة، وعلى الاَخصّ فتاوى الشيخين. ومن يقرأ التاريخ والحديث بروح مجرّدة يقف على ما نقول. وأنّك لو تمعّنت فيما استدلّ به علماء الاَُصول ـ من اتّباع مدرسة الرأي ـ على اجتهاد الرسول، وما ذكروه من أدلّة لعرفت أنّ السرّ فيه إنّما هو الاِشارة إلى الاَخطاء التي نسبها بعضهم إليه (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مقام التشريع! فأرادوا حلّ هذه العويصة بمخرج الاجتهاد والرأي.
ثمّ لو كانت أقواله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأفعاله، نابعة من اجتهاداته (صلّى الله عليه وآله وسلم) المسموح بها حسب فرضهم، فلماذا نرى غالب تصريحاتهم وتلويحاتهم توحي بأنّ النبيّ تخلّف عن أوامر الله ـ كما في صلاته على المنافق ـ وتخلّف عن الضوابط الاِنسانيّة كما نرى عبوسه عند مجيء الاَعمى عبد الله بن مكتوم... وغيرها ممّا نسبوه إلى النبيّ الاَكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، حتّى اجترأ الزمخشريّ أن يقول في تفسير قوله تعالى (عَفا اللهُ عَنْكَ)[٤] إنّها كناية عن الجناية؛ لاَنّ العفو مرادف لها،
____________
[١] الحشر : ٧ .
[٢]النساء : ٦٥ .
[٣]يونس : ٣٦ ، النجم : ٢٨ .
[٤] التوبة : ٤٣ .
===============