منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٨٧
إن عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود ولاَبي الدرداء ولاَبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول الله؟! أحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أُصيب[١].
وفي "مختصر تاريخ دمشق": أنّ عبد الرحمن بن عوف قال: ما مات عمربن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبدالله، وحذيفة، وأبو الدرداء، وأبو ذرّ، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الاَحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟!
قالوا: تنهانا؟
قال: لا، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عِشت؛ فنحن أعلم، نأخذ منكم ونردّ عليكم. فما فارقوه حتّى مات[٢].
إنّ جملة: (أكثرتم عن رسول الله) وكذا: (أفشيتم عن رسول الله في الآفاق) لتؤكّد على أنّ في نقل الاَحاديث عن الرسول توعية للمسلمين، وإحراجاً للخليفة في ظروفه الخاصّة؛ لاَنّه قد حدّد ما أخذه عليهم بأنّه (الاِكثار) و(الاِفشاء) لا الكذب والبهتان، فالاِفشاء يساوق تخطئة الخليفة، خصوصاً إذا كان الكلام الصادر عن رسول الله ظاهراً صريحاً، وتتّضح هذه الحقيقة أكثر لو أمعنّا النظر في جواب عمر بن الخطّاب لاَُبيّ بن كعب:
فقال أُبيّ: يا عمر! أتتّهمني على حديث رسول الله؟!
فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما أتّهمك عليه، ولكنّي كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً[٣].
وقولُهُ للصحابة: (أقِلُّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يُعمل به)[٤]، وسرّ المنع في النصّ الاَوّل واضح كوضوح الشمس في أنّ الخليفة كان لايريد أن يكون الحديث "ظاهراً" لئلاّ يظهر الخلل والعوز الفقهيّ في دولته أو فيه.
وكذا تقييده بـ (ما يُعمل به) يعني جواز نقل الاَحاديث المشهورة
____________
[١] المستدرك على الصحيحين ١: ١١٠، وكذا في تلخيص الذهبيّ.
[٢] مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٧: ١٠١.
[٣] الدراسات للاَعظميّ عن ابن سعد في الطبقات ٤: ٢١ ـ ٢٢.
[٤] البداية والنهاية ٨: ١٠٧.
===============