منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٥٨
في الفرض المذكور.
ولا يفوتنا القول بوجود علل منصوصة في التشريع كالاِسكار في الخمر مثلاً، فمتى وجدت فيه علّة الاِسكار حرم ومتى ارتفعت حلّ، لكن أين هذا ممّا كان يقدم عليه الشيخان، من إطلاق أحكام ليس لها وجود أو نراها تتعارض مع أحكام موجودة ثابتة في الذكر الحكيم، فنراه يضيّق دائرة حكم أو يوسّعه في حين آخر بتصوّر وجود مصلحة في جعل الحكم الفلاني أو مفسدة في إلغاء الحكم الفلاني، في حين نعلم أنّ هذا لا يمكن أن يصدر إلاّ ممّن له إحاطة تامّة بكلّ مبادىَ الاَحكام وغاياتها ومن اختصّه الله بعلمه، والخليفة لميختصّ بذلك لما عرفت، وإنّه بتشريعه الطلاق ثلاثاً أو رفعه سهم المؤلّفة قلوبهم أو المنع من المتعة، كان يريد منعها إلى الاَبد لما رأى فيها المصلحة الوقتيّة، ولميكن منعه وقتيّاً ليقال إنّه بالعنوان الثانويّ وإنّ ذلك من صلاحيّات الخليفة.
ولو سلّمنا أنّ الاَحكام تتغيّر بتغيّر المصالح.. فأين المصلحة في مثل هذه الاَحكام؟ ومن هو الذي يحدّدها؟ وهل جاءت الاَحكام طبق الهوى والرأي، أم طبق التعبّد والدليل؟ فلو كان فيه نصّ ودليل، فما هو هذا النصّ والدليل؟
قال الشيخ خلاّف في (علم أُصول الفقه) عند ذكره شروط المصالح المرسلة، وهي ثلاثة:
أوّلها: أن تكون مصلحة حقيقيّة وليست مصلحة وهميّة. والمراد بهذا أن يتحقّق من أنّ تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً، وأمّا مجرّد توهُّم أنّ التشريع يجلب نفعاً من غير موازنة بين ما يجلبه من ضرر فهذا بناء على مصلحة وهميّة.
ثانيها: أن تكون مصلحة عامّة وليست مصلحة شخصيّة. والمراد بهذا أن يتحقّق من أنّ تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعاً لاَكبر عدد من الناس، أو يدفع ضرراً عنهم، وليس لمصلحة فرد أو أفراد قلائل منهم، فلايشرّع الحكم لاَنّه يحقّق مصلحة خاصّة بأمير أو عظيم، بصرف النظر عن جمهور الناس ومصالحهم، فلابد من أن تكون لمنفعة جمهور الناس.
ثالثها: أن لا يعارض التشريع لهذه المصلحة حكماً أو مبدأً ثبت بالنصّ أو
===============