منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٥٤
وقال صاحب المنار: إنّنا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفي ردّهم عن دينهم يخصّصون من أموال دولهم سهماً للمؤلّفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلّفونه لاَجل الدخول في حمايتهم ومُشاقّة الدول الاِسلاميّة والوحدة الاِسلاميّة، أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟!
إن منطق الخليفة عمر بن الخطّاب ليوحي بأنّ سهم المؤلّفة قلوبهم ينحصر بالذين اعتنقوا الاِسلام منهم، أو هو بعبارة أُخرى معنى آخر لمنطق المبشِّرين الذين ينطلقون من سياسة إعطاء الغذاء والدواء للناس كي يعتنقوا النصرانيّة، غافلاً عن أنَّ النبيّ لا يريد بعمله هذا دعوتهم إلى الاِسلام بالمال، بل يريد أن يهيّىَ قلوبهم ليستقبلوا منه الدعوة، وأن يومنوا إيمان قلب وعقيدة، فهو (صلّى الله عليه وآله وسلم) يتألّفهم مرّة بوضعهم على رأس سَرِيّة من السرايا. وأُخرى يتألّفهم بمشاورتهم في بعض الاَُمور، وثالثة يتألّفهم بالمال، وهكذا.
ولم تختصّ هذه المسألة بضعف الاِسلام وعزّته، بل إنّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يريد أن يُهيّئهم كي يقبلوا الاِسلام، قبول إيمان وعقيدة لا لقلقة لسان.
وهنا أتساءل: لو صحّ تعليل الخليفة في سهم المؤلّفة قلوبُهم، وأنّ الاِسلام قد قوي فلا حاجة إليهم إذَنْ، فما معنى ما نقله الدكتور محمّد عجاج الخطيب في النصّ الآتي:
كان رسول الله قد أمر الصحابة ومن معه يوم الفتح بأن يكشفوا عن مناكبهم ويُهرولوا في الطواف، ليرى المشركون قوّتهم وجَلَدهم، وقوّة دولة الاِسلام، ورأى عمر أنّ هذا الاَمر قد ذهبت عِلّته، ولكنّه قال: فيم الرَّمَلان الآن والكشف عن المناكب، وقد أطَّأَ الله الاِسلام ونفى الكفر وأهله؟!
ومع ذلك لا ندع شيئاً كنّا نفعله على عهد رسول الله[١].
فالخليفة إمّا من المتعبّدين ـ كما يوحي هذا النصّ ـ وإمّا من المجتهدين الذين قد تعرّفوا المصالح كما ثبت ذلك عنه، فلو كان من المتعبّدين فلِمَ لايأخذ بفعل الرسول في سهم المؤلّفة قلوبهم؟! وإن كان من المجتهدين، فما الذي
____________
[١] السنّة قبل التدوين: ٨٦ عن مسند أحمد ١: ٢٩٧ ح٣١٧ بإسناد صحيح.
===============