منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٥١
قال: لقد علمتَ أنّي كنت أدخل على النبيّ ويُقرئني وأنت بالباب، فإذا أحببت أن أقري الناس على ما أقرأني أقرأتُ، وإلاّ لم أقرأ حرفاً ما حييت!
قال: بل أَقْرِىَ الناس[١].
وفي لفظ آخر: قال أُبيّ: واللهِ يا عمر إنّك تعلم أنّي كنت أحضر وتَغيبون، وأُدعى وتُحْجَبون ويُصنع لي، واللهِ لئن أحببتَ لاَلزمنّ بيتي، فلا أُحدّث أحداً بشيء[٢] .
قد يتصوّر القارىَ ـ عند وقوفه على الاَخبار السابقة ـ أنّ أُبيّ بن كعب هو ممَّن يقول بتحريف القرآن، لاَنّ قراءته تخالف قراءتنا اليوم، وأنّ عمربن الخطّاب جاء لِيُصَحِّح له قراءته، لكنّ حقيقة الاَمر ليست كذلك، حيث جاء في صحيح البخاريّ، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أُبيّ بن كعب ، أنَّ النبيّ قرأ عليه القرآن، فعن أنس بن مالك قال: قال النبيّ لاَُبي: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك (لم يكن الذين كفروا...) قال: وسمّاني؟ قال: نعم، فبكى.
و إنّ توضيحنا لمثله قد يخرجنا عمّا نريد من الاستشهاد به وهو: أنّ علم الخليفة لميكن كما حاول البعض تصويره، إذ كان يقضي أغلب أوقاته في السوق والبقيع، ولميختصّ بالنبيّ ، بل كان يتناوب النُّزول إليه (صلّى الله عليه وآله وسلم) يوماً فيوماً، وثبت عنه القول: (وكان يلهيني الصَّفق بالاَسواق) أو قول أُبيّ له (وكان يُلهيك الصَّفق في الاَسواق)، وفي ثالث (إنّك تَبِيع القَرَْظَ بالبقيع).
إنّ التصريح بهذا الرأي لا يعني الاِزراء بالخليفة، بل هو تبيان للحالة التي كان يعيشها الخليفة والمسلمون في الصدر الاَوَّل بعيداً عمّا رُسِمَ لهم متأخِّراً من هالة، والكلام عن أُبيّ وقراءته، له مجال آخَر.
إنَّ ما أُثِرَ عن الخليفة من حنكة في فتوحاته ولياقاته العسكريّة شيء، وبيان دوره في منع تدوين حديث رسول الله وأمره بحرق المدوّنات شيء آخر[٣].
____________
[١] الدرّ المنثور ٦: ٧٩.
[٢] تفسير القرآن العظيم ٤: ٣١٤.
[٣] انظر تاريخ التمدّن الاِسلاميّ لجرجي زيدان ـ "حرق مكتبة الاِسكندريّة".
===============