منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٤١
هذا وقد شكّ ابن حزم في صدور هذه الرسالة من عمر إلى واليه أبي موسى الاَشعريّ، لكنّه قَبِل صدور الرسالة لشريح وإن كان له فيها بعض الكلام[١].
قالت الدكتورة نادية شريف العمريّ: وقد استعمل عمر بن الخطّاب مصطلح القياس في رسالته إلى أبي موسى الاَشعريّ، إلاّ أنّ تلك الاصطلاحات والقواعد لم تكن شائعة بمسمّياتها تلك[٢].
وهذا كلام صحيح، إذ إنَّ القياس بمفهومه الاصطلاحيّ لم يظهر إلاّ في زمان متأخّر عن الخلافة الراشدة ، لكنَّ بذوره وجذوره الاَوّليّة كانت قد ظهرت نتائجها بشكل واضح عند الخليفتين عموماً وعند الثاني منهما بشكل خاصّ، وذلك ما لا يستطيع إنكاره إلاّ مكابر، فسواء صحّ استعماله لكلمة القياس أم لميصحّ، فإنَّ الثابت أنّه استفاد وعمل وطبّق القياس وغيره في فقهه.
والذي أشكلناه على منهجيّة الشيخين ومن حذا حذوهما من الصحابة في التفكير، لم يكن ليخفى على جمّ غفير من الصحابة، فقد تصدّى الكثير منهم في موارد عدّة للاجتهادات والاَقيسة والمصالح التي بُدّلت وغيّرت على أساسها الاَحكام، أو مُنع من تطبيق بعضها أو زِيد فيها أحكام أُخرى .
وهناك من عيون الصحابة من لم يكتف بالمخالفة والتغليط والتصحيح في مورد أو أكثر، بل أطلقوا قاعدة عامّة نصَّ عليها الكتاب وجاءت بها سُنّة النبيّ، مفادها عدم جواز إعمال الرأي في الاَحكام، لاَنّ الاِتيان بحكم جديد لميُسْتَقَ من القرآن والسنّة يعني نقص الشريعة وعدم إبلاغ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) للرسالة، وهذا ما لا يقول به مسلم.. يستلزم القول بمعرفة الصحابة حكماً عامّاً خفي على المشرّع وجهه، وهذا يعني كذلك اختصاص بعضهم بطائفة الاَحكام أخْفَوها عن الآخرين، ومعناه: أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لم يبلِّغها للآخرين ـ والعياذ بالله ـ أو أنّ بعض الصحابة قد وقف على وجه تشريع الحكم وغايته من قبل الله
____________
[١] انظر مناظرات في أُصول الشريعة بين ابن حزم والباجيّ، للدكتور تركي: ٣٩٨ عن الاَحكام.
[٢] اجتهاد الرسول، للدكتورة نادية: ٣٢٦.
===============