منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٣٨
الصادرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أو لا يعرف تفسيرها، فتراه يشرّع القياس ليكون المبرّر لما يذهب إليه وليقال في تبريره إنّ كلامه مأخوذ من الاَصل الفلاني والآية الفلانيّة.
وبذلك صار الاجتهاد أمراً مألوفاً عند المسلمين ولا يختصّ بالخليفة لاَنّه قد عمّ جميع الصحابة، مع الاَخذ بنظر الاعتبار أنّ البعض منهم: كان يفتي طبق الرأي والاجتهاد، والآخر: طبق النصّ ولا يرضى بالتحديث إلاّ عن كتاب الله وسنّة رسوله، وإن اجتهد هؤلاء فكان في إطار الاستنباط الصحيح المتين من الكتاب والسنّة بمعنى سلوك السُّبُل الكفيلة بالدلالة على ما أراده الله ورسوله، وهذا ليس من الرأي بشيء.
بلى، إنّها كانت خطوة سياسيّة اتّخذها لكي لا يجرؤ أحد على مخالفة فتاواه، بل ليسلّم الجميع لما يذهب إليه.
عن أبي موسى الاَشعريّ: أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رُويدك ببعض فُتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدك، حتّى يفتيه، فسألته.
فقال عمر: قد علمت أنّ النبيّ قد فعله وأصحابه، ولكنّي كرهت أن يظلّوا معرسين بهنّ في الاَراك، ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم[١].
إنّ هذا النصّ وأمثاله ممّا يؤكّد فكرة خضوع الاَحكام الشرعيّة لرأي الخليفة، إذ ترى أبا موسى الاَشعري ـ وهو من كبار الصحابة ـ لا يمكنه أن يفتي بالمتعة؛ لاَنّه لا يدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك! بل يجب عليه التروّي حتّى يأتي أمر الخليفة وقراره الاَخير فيه!!
وقد أنكر عمر بن الخطّاب على البعض لاِفتائه من عند نفسه بقوله: كيف تفتي الناس ولست أمير ؟ وَلِيَ حارَّها مَن وَلِيَ قارّها[٢]
ونحن، بعد وقوفنا على ملابسات التشريع، يمكننا القول: إنّ الذهاب
____________
[١] صحيح مسلم ٢: ٨٩٦|١٥٧، مسند أحمد ١: ٥٠، سنن النسائيّ ٥: ١٥٣، السنن الكبرى٥ : ٢٠، تيسير الوصول ١: ٣٤٠|٣٠، سنن ابن ماجة ٣: ٩٩٢|٢٩٧٩.
[٢] الصحيح من سيرة النبيّ الاَعظم ١ : ٧٩ عن مصادر متعدّدة .
===============