منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٢٩
"الاجتهاد والرأي".
قال الدكتور محمّد سلاّم مدكور : ... وهكذا من تتبّع تصرّفات الصحابة وعلى رأسهم الخليفة عمر الذي طالما بدّل بعض الاَحكام إلى ما يرى أنّه مصلحة، مع تفسيره للنصوص تفسيراً يتّفق مع المصلحة، وقد درج التابعون على ذلك فأفتَوا بجواز تسعير السلع مع نهي الرسول عن ذلك، وقالوا: إنّ الناس قد فَجَروا بما أصابهم من الجشع[١].
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاّف: ... "في عهد الصحابة" لما تعدّد رجال التشريع منهم، وقع بينهم اختلاف في بعض الاَحكام وصدرت عنهم فيالواقعة الواحدة فتاوى مختلفة، وإنّ هذا الاختلاف كان لابُدّ أن يقع بينهم، لاَنّ فهم المراد من النصوص يختلف باختلاف العقول ووجهات النظر، ولاَنّ السنّة لميكن علمهم بها وحفظهم لها على السواء، وربّما وقف بعضهم على ما لايقف عليه الآخر، لاَنّ المصالح التي تستنبط لاَجلها الاَحكام يختلف تقديرها باختلاف البيئات التي يعيش فيها رجال التشريع، فلهذه الاَسباب اختلفت فتاواهم وأحكامهم في بعض الوقائع والقضايا.
ولمّا آلت السلطة التشريعيّة في القرن الثاني الهجريّ إلى طبقة الاَئمّة المجتهدين اتّسعت مسافة الخلاف بين رجال التشريع، ولم تقف أسباب اختلافهم عند الاَسباب الثلاثة التي بني عليها اختلاف الصحابة، بل جاوزتها إلى أسباب تتّصل بمصادر التشريع وبالنزعة التشريعيّة وبالمبادىَ اللغويّة التيتطبّقُ في فهم النصوص.
وبهذا لم يكن اختلافهم في الفتاوى والفروع فقط، بل كان "الاختلاف أيضاً في أُسس التشريع وخُططه، وصار لكلّ فريق منهم مذهب خاصّ يتكوّن من أحكام فرعيّة استنبطت بخطّةٍ تشريعيّة خاصّة"[٢].
وهذا يدلّ على أنّ تعدّد مراكز الاِفتاء قد أدّى ويؤدّي إلى الاختلاف في الرأي والاجتهاد، وقد يكون هذا الاختلاف عند الصحابة، فيما بينهم، أو بينهم
____________
[١] مناهج الاجتهاد في الاِسلام: ٣٠٣.
[٢] خلاصة تاريخ التشريع الاِسلامىي، لخلاّف: ٧٢.
===============