منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٢٨
كأنّهم يرون أنّ الاَصل هو الاَخذ بما فيه المصلحة لابجزئيّات الاَحكام وفروعها"[١].
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاّف: وكانوا إذا لم يجدوا نصّاً في القرآن أو السنّة يدلُّ على حكم ما عرض لهم من الوقائع استنبطوا حكمه، وكانوا في اجتهادهم يعتمدون على مَلَكتهم التشريعيّة التي تكوّنت لهم من مشافهة الرسول، ووقوفهم على أسرار التشريع ومبادئه العامّة.
فتارة كانوا يقيسون ما لا نصّ فيه على ما فيه نصّ، وتارة كانوا يشرِّعون ما تقضي به المصلحة أو دفع المفسدة ولم يتقيَّدوا بقيدٍ في المصلحة الواجب مراعاتها، وبهذا كان اجتهادهم فيما لا نصَّ فيه فسيحاً مجاله، وفيه متّسعٌ لحاجات الناس ومصالحهم[٢].
وممّا يدلّ على صحّة قول عبده وخلاّف هو فتاوى عمر نفسه والتي مرّ قسم منها، والقارىَ يعرف مدى نسبة اجتهاد الخليفة التي اصطدمت مع واقع التشريع.
فمن المحتمل أن تكون هذه المواقف المخطِّئة للخليفة من قبل الصحابة سبباً آخر من أسباب منع عمر بن الخطّاب من التحديث عن رسول الله وتدوين سنّته.
وعلى كلّ حال ، فإنَّ المحصّل الذي لا ريب فيه هو امتداد الاتّجاهين في الشريعة عند المسلمين حتّى بعد وفاة رسول الله:
الاَوّل: يأخذ بالنصوص ويتعبّد بها، والذي سمّيناه (التعبُّد المحض).
والثاني: يأخذ بقول الرجال ويذهب إلى حجّيّة اجتهادات الصحابة المدركين لروح التشريع ، حتّى توسّعت خطواتهم ولم تقف عند حدود بعد وفاة النبيّ الذي كان يكبح من جماح هذا الاتّجاه . ولم تختصّ اجتهاداتهم فيما لانصّ فيه بل تعدّتها إلى ما فيه نصّ صريح ، وقد سمّينا هذا النهج نهج
____________
[١] تفسير المنار ٤: ٣١ لمحمّد رشيد رضا.
[٢] خلاصة تاريخ التشريع الاِسلاميّ:٤٠.
===============