منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١١٦
فقال عمر: ألا تردّون عليه ما يقول؟
فقال ابن عبّاس: إنّ هذه الآيات أُنزلت عُذراً للماضين، وحجّةً للباقين؛ لاَنّ الله عزّ وجلّ يقول: (يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما الخمرُ والَمْيسِرُ والاَنصابُ والاَزلامُ رِجْسٌ من عَمِلِ الشيطان)[١]ثمّ قرأ حتّى أنفذ الآية الاَُخرى: (إذا ما اتَّقَوا وآمنوا وعَمِلوا الصالحات ثمّ اتَّقَوْا وآمَنوا ثُمِّ اتَّقوا وأحْسَنوا)[٢] فإنَّ الله عزّ وجلّ قد نَهى أن يُشرب الخمر.
فقال عمر: صدقت، فماذا ترون؟
فقال عليُّ رضي الله عنه : نرى أنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدةً.
فأمر عمر فَجُلِدَ ثمانين"[٣].
اتّضح لنا من خلال هذه النصوص وغيرها ـممّا تركنا سرده مخافة الاِطالة ـ أنّ الشيخين لم يدّعيا في بادىَ الاَمر أنّهما يعرفان جميع الاَحكام الصادرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، أو أنَّهما قد اختصّا بأحاديثه (صلّى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهما، إنّما مَثَلهم مَثَل كثير من الصحابة الذين خَفِيت عليهم الكثير من مسائل التشريع.
وأمّا ما بُولغ فيه من إحاطتهم بجميع الاَحكام والعلوم وأنّهما كانا أخصّ من غيرهما بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقد صدر عن موقف عاطفيّ متطرِّف، بعيد عن الواقع التاريخيّ. ذلك لاَنّ أغلب المنقولات في هذا السياق عرضةٌ للشكّ والتّرديد، ومن هذه النقول ما نسب فيها إلى عليّ بن أبي طالب أنّه قال: كنّا نتحدّث أنّ مَلَكاً ينطق على لسان عمر[٤]!
ومنها: ما روي عن ابن مسعود أنّه قال: لو وُضِعَ علم عمر في كفّة ميزان وعلم أهل الاَرض في كفّةٍ لَرَجَحَ علم عمر[٥]!
____________
[١] المائدة : ٩٠ .
[٢] المائدة : ٩٣ .
[٣] المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٦ ، وقد صحّحه الحاكم ، وكذا الذهبيّ في تلخيصه.
[٤] حلية الاَولياء لاَبي نعيم ١: ٢٤.
[٥] أعلام الموقّعين ١: ٢٠ ، وانظر مقدّمة فقه عبد الله بن مسعود للدكتور رواس قلعةچي.
===============