منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٠٩
السُّنن والتَّرهيب في الرواية.
وأمّا مَنْ كان يتقن ما يحدَّثُ به، ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر[١]٠؟.
إنّ اللبيب ليعجب من مثل هذه الاَقوال، لاَنَّ الاحتياط هنا لا مورد له، إذ المحدِّث إن كان ثقة صدوقاً فلا معنى لمنعه عن التحديث ولا معنى للاحتياط، خاصّة وأنَّ بعض هؤلاء المنهيين من التَّحديث قد ورد فيهم نصّ عن رسولالله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يدلّ على جلالة قدرهم وصدق قولهم.
إنّ الاحتياط كلّ الاحتياط هو أن يحثّ الخليفة أمثال هؤلاء على التحديث وتناقل كلّ ما سمعوه وتلقَّوه عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، لكي لا تبقى بعض سنّة النبيّ مجهولة للناس ، ولكي لا يبقى المسلمون في دوّامة من الجهل بالاَحكام.
وأمّا الاحتياط بمعنى احتمال خطأ الراوي أو سهوه أو نسيانه أو... فهذا يردّ في كلام الخليفة نفسه ، ولا يمكنه إلزام الآخرين دون إلزام نفسه به.
ولا نكاد نقضي العجب ممّن زعم أنّ نهي الخليفة لا يتناول مَن تيقّن ما يحدِّثُ به ويعرف فقهه وحكمه ، مع أنّه قد سجن أبا ذرّ وابن مسعود وأبا مسعود الاَنصاريّ وأبا الدرداء ، ونهى عمّاراً وأبا موسى الاَشعري وأمثالهم مع كون أغلبهم من عيون الصحابة والرعيل الاَوّل في الاِسلام.
وأبعد شيء يقال هنا : هو أنّ النهي والحبس والضرب والمنع لايتناغم ولايتلاءم مع نفسيّة عمر ، باعتباره خليفة وصحابيّاً كبيراً ، فلابُدّ أن نَرْبأ به عن ارتكاب مثل تلك الاَعمال.
إلاّ أنّ الواقع الذي لا يمكن دفعه هو أنّ الخليفة عمربن الخطّاب كان معروفاً منذ زمن رسول الله بالشدّة والغِلظة، وكذلك في خلافة أبي بكر. ولمّا انبسطت يده في خلافته راح يحمل الدُّرَّة فيضرب هذا ويُعاقب ذاك ويسجن ثالثاً وينفي رابعاً ويُغرّب خامساً ممّا يمكن علاجه بدون ذلك من التهذيب والاِرشاد!
وقد نقل لنا المؤرّخون صوراً متعدّدة من أُسلوب الخليفة، حتّى جاء في
____________
[١] السنّة قبل التدوين: ١٠٥.
===============