منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٠٤
الرسول وترك القرآن، لكنّ ابن حزم استبعد أن يكون نهي عمر قد تعلَّق بالسُّنَّة النبويّة، وحمَلَ نهيه على خصوص الاَخبار عمَّن سلف من الاَُمم السابقة.
فقال: ...وإنّما معنى نهي عمر رضي الله عنه من الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لو صحّ فهو بيّن في الحديث الذي أوردناه من طريق قرظة[١]، وإنّما نهى عن الحديث بالاَخبار عمَّن سلف من الاَُمم وعمّا أشبه.
وأمّا بالسنن عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) فإنّ النهي عن ذلك هو مجرّدٌ، وهذا ما لايَحِلُّ لمسلم أن يظنّه بِمَنْ دون عمر من عامّة المسلمين، فكيف بعمر رضي الله عنه . ودليل ما قلنا: أنّ عمر قد حدّث بحديث كثير عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فإن كان الحديث عنه عليه السلام مكروهاً، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب، ولا يحلّ لمسلم أن يظنّ بعمر أنّه نهى عن شيء وفعله[٢]...
واستبعد آخرون منهم الدكتور محمّد عجاج الخطيب تبعاً، لابن حزم أن يكون عمر بن الخطّاب قد منع الصحابة من التحديث، أو أنّه سجن ابن مسعود وغيره، لعدم قبول العقل صدور ذلك من خليفة كعمر بن الخطّاب!
لكنّ الواقف على مُجريات الاَحداث في الصدر الاَوّل يعرف سُقم كلام ابن حزم ومن تبعه من الاَعلام، وبُعده عن الواقع، لاَنّ توارد الروايات عن عمر بالمنع ممّا لا يمكن إنكاره أو دفعه. وقد وردت روايات المنع مطلقة لمتخصّ صحابيّاً دون آخر، ولا نوعاً من الحديث دون نوع آخر، بل ثبت أنّ عمر كان شديد العنف على المُحَدّثين والكاتبين للحديث، وهذا ممّا لا ينكره إلاّ مُكابر، فلذلك راح ابن حزم ومن حذا حذوه يختلقون الاَعذار ويضعون المبرّرات لفعل الخليفة، ولم يكن عندهم أكثر من مجرّد الاستبعاد والاستغراب الذي لايقوم على أساس علميّ.
وأمرُه قُرْظة وأصحابه بالاِقلال من الرواية عن النبيّ لا يخلو من وجهين:
الاَوّل: أن يكون الخليفة عمر بن الخطّاب يتهّمهم جميعاً بالكذب على
____________
[١] مفاد الحديث: أنّ عمر أرسل قرظة بن كعب مع مجموعة من الصحابة وفداً إلى الكوفة، فأمرهم بالاِقلال من الحديث، فقال لهم: أقلّوا الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأنا شريككم.
[٢] الاِحكام في أُصول الاَحكام ٢: ٢٦٦.
===============