إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ٥٨ - *** «ذكر ولادة النبى صلى اللّه عليه و سلم»
قالت حليمة: و ما كنا ننام ليلتنا أجمع مع صبيّنا الذى معنا من بكائه/ من الجوع؛ ما فى ثديى ما يغنيه، و ما بشارفنا ما يغذّيه، و لكنا كنا نرجو الغيث و الفرج؛ فخرجت على أتان لى قمراء فلقد أذمّت [١] بالركب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا و عجفا، حتى قدمنا مكة، نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا و قد عرض عليها رسول اللّه (صلّى اللّه تعالى عليه و سلم) فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم تركته؛ و ذلك أنّا كنا نرجو المعروف فى رضاع من نرضع من أبى المولود، و أما أمه فما ذا عسى أن تصنع إلينا، فكلنا تركه لذلك، و لم تبق امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما أجمعن على الانطلاق إلى بلادهن قلت لصاحبى: و اللّه إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى و لم أجد رضيعا، و اللّه لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ فإنه امتع من أن أرجع بغير رضيع. فقال: لا عليك أن تفعلى؛ عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأتيت أمه فأخذته- و ما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره- فقالت لى أمه: يا ظئر، سلى عنه، فإنى رأيت كأنه خرج من فرجى شهاب أضاءت له الأرض كلها حتى رأيت قصور الشام؛ فسلى عنه فإنه يكون له شأن، و إنه لم يزل يذكر أنه يخرج من ضئضىء [٢] عبد المطلب نبىّ، و لقد أتيت فقيل لى: قد حملت بسيّد الأنام، و لقد قيل لى ثلاث ليال: استرضعى
[١] أذمت الركب: أى حبستهم. و يقال أذمت الدابة: كلت فوقفت و تأخرت. (المعجم الوسيط).
[٢] الضئضىء: الأصل. يقال هو من ضئضىء كريم. (المعجم الوسيط).