إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ٨٠ - *** «السنة الرابعة من مولد النبى
يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم، فقال لى يوما من الأيام:
يا أمّاه. مالى لا أرى إخوتى بالنهار؟ قلت: فداء لك نفسى، يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل. فأسبل عينيه و بكى و قال: يا أمّاه، فما أصنع هاهنا وحدى؟ ابعثينى معهم. قلت: أو تحبّ ذلك؟
قال: نعم. فلما أصبح دهنته و كحّلته و قمّصته، و عمدت إلى خرزة جزع يمانية فعلقت [١] فى عنقه من العين؛ فأخذ عصا و خرج مع إخوته، فكان يخرج مسرورا و يرجع مسرورا. فلما كان يوما من الأيام [٢] خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا، فلما انتصف النهار إذ أنا بابنى ضمرة يعدو فزعا و جبينه يرشح، قد علاه البهر [٣]، باكيا ينادى: يا أباه و يا أمه، الحقا أخى محمدا فما تلحقانه إلا ميّتا، قلت: و ما قصته؟ قال: بينا نحن قياما نترامى و نلعب إذ أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، و علا به ذروة الجبل- و نحن ننظر إليه- حتى شق من صدره إلى عانته، و لا أدرى ما فعل به، و ما أظنكما [٤] تلحقانه أبدا إلا ميّتا. فأقبلت أنا و أبوه- يعنى زوجها- نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يبتسم و يضحك، فأكببت عليه و قبّلت بين عينيه و قلت: فدتك [٥]
[١] كذا فى الأصول. و لعلها «فعلقتها».
[٢] كذا فى ت. و فى م، ه، و الخصائص الكبرى ١: ١٣٧ «من ذلك».
[٣] البهر: تتابع النفس من الإعياء. (المعجم الوسيط)
[٤] كذا فى م، ه. و فى ت «و لا أظنكما».
[٥] كذا فى م، و الخصائص الكبرى ١: ١٣٧. و فى ت «فدو لك» و فى ه «فدوتك».