الفقه المعاصر - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٨٧ - السرّية في معلومات الهندسة الوراثية
بَنِيآدَمَ}[١] فالواجب هو أن توضع كرامة الإنسان فوق كلّ اعتبار، ومن كرامة الإنسان حفظ إسراره وخصوصياته، وهنا لابدّ من مراجعة معنى السرّ، وهل هو مختصّ بما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إيّاه من قبل أو بعد ، أم أنّه يشمل ما اطّلع عليه الإنسان دون معرفة الآخرين؟
والصحيح أنّ السّر يشمل ما ُخبر به وكان مستكتماً قبل الإخبار أو بعده ، ويشمل ما اطّلع عليه الإنسان وكان صاحب السّر لا يرضى بإفشائه[٢] ؛ كأسرار الجيش الإسلامي إذا وقعت بيد إنسان مسلم، فلا يجوز إفشاؤها وإن لم يُخبَر بها من قبل أحد ؛ لأنّ إفشاء السّر خيانة، وإفشاء سرّ الجيش خيانة وإن لم يخبر به من قبل شخص آخر.
٢) على أنّ المرض الوراثي قد يكون عيباً من عيوب الإنسان ، وكشفه للآخرين يدخل تحت عنوان كشف العيب المستور الذي هو محرّم بعنوان الغيبة التي ورد في حرمتها روايات كثيرة.
٣) وكذا يدخل كشف العيب (المرض الوراثي) تحت عنوان ذكر الأخ بما يكره، وهو أيضاً محرّم في الشريعة ؛ لحرمة إيذاء المؤمن المنصوص عليه شرعاً[٣].
[١] الإسراء: ٧٠.
[٢] كما إذا قامت قرائن تدلّ على عدم الرضا بإفشاء هذا السِّر الذي اطلّع عليه من أطلع.
[٣] وقد ذكرت المجلّة العلمية الأمريكيةscientific American (في شهر يونية١٩٩٤م) بعض المشاكل التي تحدث نتيجة تعميم الفحص الجيني لمرض معيّن على مستوى فئة معيّنة من السكان وإعلانه ... فقد تمّ في الولايات المتحدة في السبعينات من القرن العشرين إقامة حملات واسعة بين السود للتعرف على الذين يحملون جين المنجليّة ، وهو فحص سهل يسير بواسطة تحليل الدم، وفي البداية حصل الفحص على تأييد مجموعات كبيرة من السود، ولكن سرعان ما تحوّل الفحص إلى حركة تمييز عنصري بغيضة ضدّ السود، واعتبر حامل الجين جين المنجليّة وكأنه شخص مريض بينما هو في الواقع شخص سليم.
إذ تقدم ان حامل جيل المنجلية هو سالم من أي مرض ، نعم انه حامل لجين المرض المتنحي ، ولكنه إذا تزوج بامرأة غير حاملة لنفس هذا الجين المريض فأنّ الذريّة ستكون سالمة وان كانت الذرية حاملة للجين المريض ، وإذا تزوج بامرأة حاملة للجين المريض نفسه فان الذرية ستكون مريضة بنسبة على مستوى السكان.
وأخيرا:
١) منع هؤلاء من كثير من الأعمال وخاصة المتعلقة بالطائرات مثل المضيّفين والمضيّفات بزعم أن هؤلاء إذا تعرضوا لنقص في الأوكسجين سيصابون بنوبات المرض وإنحلال خلايا الدم الحمراء وهو أمر غير صحيح.
٢) كما ان شركات التأمين بدأت ترفض التامين على هؤلاء السود الحاملين للجين مع أنهم لا يعانون من أي مرض.
٣) كما رفضت القوّة الجويّة أيضاً استخدام هؤلاء السود بزعم أنهم يحملون الجين المؤدي إلى الانيمياء المنجليّة.
انظر كيف لعب هذا الفحص دوراً في إدانة لملايين السود الذين يحملون هذا الجين وإفشائه بينما هم سليمون تماماً من الناحية الصحية ولا يعانون أي مرض.
والأفظع من هذا كله هو وقوف بعض علماء الجينات والاستشارات الوراثية أمام عدسات كاميرات التلفاز ليصرحوا بانه من الأفضل للأمة الأمريكية ولهؤلاء السود الذين يحملون هذا الجين أن يمنعوا منعاً تامّاً من الإنجاب.
وهذا العمل يذكّر بما فعله هؤلاء البيض ضدّ السود كما ذكرت ذلك دائرة المعارف البريطانية في الطبعة ١٥ العم ١٩٨٢م في موضوع الرقّ: فقالت : إن الرجل الأبيض جلب إلى القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية أكثر من مائة مليون أفريقي ، مات منهم تحت أعمال السخرة والتعذيب والثورات أكثر من سبعين مليوناً، وهذه أبشع مجزرة للسود على مدى التاريخ. بينما مرض تيساك الذي هو عبارة عن شلل وصرع وعمى ووفاة قبل العامين، وهذا المرض خطير لانه يصيب الجهاز العصبي إصابات مدمّرة ويتوفى غالبية المرضى أثناء الطفولة الباكرة قبل العامين. والذي يصيب اليهود من أصل اشكنازي (قوقازي) ولا يكاد يصيب غيرهم... فقد تمّ فحص أكثر من مليون يهودي في الولايات المتحدة لمعرفة الحاملين للجين ، بصورة إختياريّة وبدون أي تمييز ضدّهم (راجع بحث الدكتور محمّد علي البار، نظرة فاحصة للفحوصات الطبيّة الجينية ص٢٩ – ٣١).
أقول: فإذا كان الفحص قد اثبت وجود الجين المريض فهو لا يدلّ على حدوث المرض لوجود الطفرات التي يُصلح فيها الجين ، وإذا حدث المرض فلا دليل على شدته.
وإذا كان الفحص سلبيّاً : بمعنى أنّه ينفي وجود الجين المريض فليس معنى ذلك انه لا يصاب بهذا المرض لوجود الطفرات الكثيرة التي قد تسبب المرض.
ولهذا قلنا : ان نتيجة الفحص إذا كانت ايجابية: بمعنى وجود الجين المريض عند هذا الشخص يجب أن تكون سريّة لان إعلانها قد :
١) يعرّض كرامة الإنسان إلى الخطر بكشف أسراره.
٢) وقد تكشف العيب المستور وهو من الغيبة والمحرمّة.
٣) وقد تؤذي المريض لانه لا يريد أن يذكر بسوء ولا يذكر عنه ما يؤذيه ، وأذية المؤمن غير جائزة وقد شاهدنا كيف تستغَل الدعايات ويدخل التمييز العنصري أو يدخل الحقد على الطائفة أو الشخص للتشهير به وان كان صحيحا لمجرد انه يحمل جينا مريضاً لا يؤثر على حياته أو ذريته فكيف إذا كان جينة مريضاً يؤثر على حياته وشخصيته فان إذاعة هذا السرّ محرمة تحريماً قاطعاً.