شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٩٣ - (مقدمة المؤلف)
و من يحذو حذوهم: من انه تعالى يفعل بالاختيار، و العالم ملكه و ملكه، و للمختار أن يفعل فى ملكه و ملكه ما يشاء، و يتمسكون بقوله: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (الأنبياء ٢٣) فانه تعالى اجل و اعظم من ان يفعل باختياره لا لحكمة و غاية بل بمجرد الإرادة الجزافية، نعم: لا يكون لفعله المطلق و لا لما يبدعه او لا علة غائية غير ذاته، فذاته غاية قريبة له، كما انه فاعل قريب له، و هو غاية الغايات المتوسطة، كما انه فاعل الفواعل و مبدع البدائع، و لو لم يكن السؤال ب (لم) صحيحا لما وقع من داود على نبينا و ٧ فى قوله: لم خلقت الخلق؟ و لما وقع الجواب عنه تعالى بقوله: خلقت الخلق لاعرف، على طبق ما قال فى القرآن: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، (الذاريات- ٥٦) و حرف اللام للتعليل، و اما القدر المناسب لهذا الموضع من الجواب فهو انه:
كما ان الانواع متخالفة فى الحقائق، بعضها فى الطبقة الاولى من الممكنات لقربها من اللّه تعالى كالملائكة المقربين، و بعضها فى الطبقة الثانية كمدبرات السموات و هكذا حتى ينتهى الى الارضيات، فلا يرد السؤال بانه لم كان العقل اشرف من الجسم؟
و لم كانت السماء افضل من الارض؟ و لم صار الانسان اشرف من الحمار و الكلب؟ و لم صار عين الكلب نجسا و عين الماء طاهرا؟ لان الاعيان و الماهيات غير مجعولة، و انما للحق افاضة الوجود عليها، فهذه التفاضل من لوازم الوجود و الايجاد و المجال غير مقدور.
فكذلك نقول فى اختلاف الاصناف الانسانية: بان الارواح الانسية بحسب الفطرة الاولى مختلفة فى الصفاء و الكدورة و الضعف و القوة و فى الضرر و الزمانة و الصحة و السلامة و درجات القرب و البعد من اللّه تعالى، و المواد السفلية التى بإزائها بحسب الخلقة متباعدة فى اللطافة و الكثافة و مزاجاتها متباينة فى القرب و البعد من الاعتدال الحقيقى، فقدر اللّه تعالى بإزاء كل روح ما يناسبه من المواد، فحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم و الادراكات دون بعض، موافق لبعض الاعمال و و الصناعات دون آخر على ما قدر لها فى العناية الاولى و القضاء السابق، كما قال ٦: الناس معادن ... الحديث.