شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٢٢ - الشرح
فى سلوك طريق الآخرة و الدين، فالناس ينقسمون هذا الانقسام.
فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد فى خطوة فيفتقر الى ان يسمع فى كل قدم نصا من كتاب او سنة و ربما يعوزه[١] ذلك فيتحير و يقف، فسير هذا و ان طال عمره و عظم جده مختصر و خطاه[٢] قصيرة و حركته يسيرة، و من سعيد شرح صدره للاسلام فهو على نور من ربه يتنبه بادنى اشارة لسلوك طريق معوصة[٣] و قطع عقبات متعبة، فيشرق فى قلبه نور القرآن و نور الايمان و هو لشدة نور باطنه يجتزى[٤] بادنى بيان، و يكاد زيته يضيء و لم تمسسه نار فاذا مسته نار فهو نور على نور يهدى لنوره من يشاء، فهذا لا يحتاج الى نص منقول فى كل واقعة.
فمن هذا حاله اذا اراد ان يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة الى التوبة ما هى ثم الى الوجوب ما معناه ثم يجمع بين معنى الوجوب و التوبة فلا يشك فى ثبوته لها، و ذلك ان معنى الواجب ما هو واجب فى الوصول الى سعادة الابد و النجاة من هلاك السرمد، و معنى قول القائل: صار كذا واجبا بالايجاب، حديث محض لا معنى له، فان ما لا غرض لنا عاجلا و اجلا فى فعله و تركه فلا معنى لاشتغالنا به اوجبه غيرنا او لم يوجبه.
فاذا عرف الوجوب و انه الوسيلة الى سعادة الابد، و علم ان لا سعادة فى دار البقاء الا بالقرب منه تعالى و الوصول الى دار كرامته و كل محجوب عنه فهو شقى لا محالة يحول بينه و بين ما يشتهيه محترق بنار الفراق و نار جهنم، و علم ان لا مبعد له عن لقاء اللّه، الا اتباع الشهوات و ارتكاب الخطيئات و الانس بهذا العالم الفانى و الاكباب على حب ما لا بد من فراقه، و علم ان لا مقرب من لقاء اللّه الا قطع العلاقة عن زخرف الدنيا و لذاتها و الاقبال بالكنه على اللّه طلبا للانس بذكره، و المحبة له بمعرفة جماله
[١] اى: يشتد. عوز الشيء: عز فلم يوجد و انت محتاج إليه.
[٢] جمع الخطوة.
[٣] اى: الصعبة.
[٤] اى: يقطعه- سلكه و خلفه.