شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٣ - المشهد الثالث
فانظر ايها العاقل الفهيم الى ملكوت السماء لترى عجائب ما فيها، و لا تظنن ان معنى النظر الى الملكوت بان تمتد البصر إليه فترى زرقة السماء و ضوء الكواكب و رفعتها، فان البهائم تشاركك فى هذا النظر، فان كان المراد هذا فلم مدح اللّه خليله ٧ به بقوله: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ (الانعام- ٧٥).
فاطل ايها العاقل فكرك فى الملك أولا، فعسى ان يفتح على قلبك ابواب السماء فتجول بقلبك فى اقطار ملكوتها فتنتقل من بعضها الى بعض و ترتفع من تحتها الى فوق الى ان تقوم بقلبك بين يدى عرش الرحمن، فعند ذلك يرجى لك ان تبلغ رتبة الاقصى و لا يكون الا بعد مجاوزة الادنى، و ادنى شيء أليك نفسك التى انت بها انت، و دونها مرتبة الطبع التى دون مرتبة النفس، و بعدها مرتبة العقل الّذي فوق النفس و دون البارى جل اسمه، و هذه الثلاثة من الملكوت الاسفل و الاوسط و الاعلى، و لا بد للسالك الى اللّه تعالى من حضيض البشرية الى عالم الربوبية ان يقع له فى سيره المرور على هذه الانوار الثلاثة التى مثالها الشمس و القمر و النجوم، فهى بوجه منازل للسالك الى مطلوبه و بوجه اخر حجب منه على مطلوبه ما لم يقطعها لم يصل الى عالم الوحدة.
فالكوكب مثال للطبيعة و القمر مثال للنفس و الشمس مثال للعقل، فان للّه سبعين حجابا من نور و لا يصل السالك الى واحد منها الا و يظن انه قد وصل، و إليه الاشارة بقول ابراهيم ٧ فى قصة المشهورة المذكورة فى القرآن، و ليس المعنى بها هذه الاجسام المضيئة، فانه كان يراها فى الصغر و يعلمها و يعلم انها ليست الهة، و كثير من جهال الناس يعلمون انها ليست الهة.
فمثل ابراهيم على نبينا ٧ لا يغره الكواكب، فاصغر المنيرات الحسية هو الكوكب، فاستعير لفظة الكوكب لاصغر الانوار الملكوتية و هى متكثرة حسب تكثر الاجسام الطبيعية متفاوتة، و الكواكب أيضا متكثرة و اعظمها الشمس فاستعيرت لاعظمها و هو العقل، و العقل المفارق واحد عندنا و مع وحدته عين الاشياء كلها، و بينهما رتبة القمر استعير للنفس و القمر واحد بالذات كثير بالاشكال و المنازل كذلك النفس واحدة من جهة العقل كثيرة من حيث الطبيعة.