شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٧٢ - مقدمة الشارح
قلبه مراعيا له عما يشوشه فى الاخلاص حارسا له عما يفسده و يهلكه او يمرضه و يكدره من الاغراض النفسانية و الشهوات الدنياوية، بل تراه مشحونا بامراض مهلكة و اخلاق مغوية مردية، و هو لم يجدها قادحة فى علمه و حاله، و لا مانعة عن سلامته فى معاده و ماله كأنه لم يقرأ قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، (الشعراء- ٨٩) و لم يسمع قوله:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس- ٩ و ١٠).
و الحاصل ان العلم علمان: علم مكاشفة و علم معاملة، الاول يطلب لذاته لا لشيء اخر، فانه العلم باللّه و صفاته و آثاره، و الثانى يطلب للعمل به، فغايته العمل، و غاية العمل أيضا صفاء الضمير و سلامة النفس عن التعلقات و صقالة مرآة القلب عما يكدره و يرين عليه و يطبع، و هذه الصفاء و السلامة أيضا امر عدمى ليس مقصودا بالاصالة، و انما يطلب لكونه وسيلة الى ما هو المقصود الاصلى و هو ارتسام صور الحقائق فيه او تجلى الحق و نعوته و آثاره عليه، و من ظن ان علمه بكيفية الاعمال يكفيه فى سلامة العاقبة و المآل و الخلاص عن العذاب، و به ينال درجة اهل الفضل و الكمال، لكان كمن به مرض شديد و كان يعلم كيفية العلاج و تركيب الادوية فظن ان ذلك يكفيه فى خلاصه عن مرضه الجسمانى و يشفيه بدون العمل به، و لذلك يزداد مرضه حتى يهلكه، و قد ورد تشديدات عظيمة للعالم التارك للعمل بعلمه:
فعن امير المؤمنين ٧: العلماء رجلان: رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك، و ان اهل النار يتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، و عنه ٧: من اراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له فى الآخرة نصيب، و قال: اذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم، فان كل محب لشيء يحوط[١] ما احب، و قال ٧: اوحى اللّه الى داود ٧: لا تجعل بينى و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتى، فاولئك قطاع طريق عبادى المريدين، ان ادنى ما انا صانع بهم ان أنزع لذيذ مناجاتى عن قلوبهم، و قال ٧: من طلب العلم ليباهى به
[١] اى يهم بامور ما احب و يتعاهده.